لماذا وإلى أين ؟

“نوال السعداوي” المظلومة!

تُهاجم السعداوي بشدّة من طرف خصومها التقليديون (الوهابيون والإخوانيون وأتباعهم)، الذين وجَهتهم بقوة العقل والمنطق، مخلخلةً مُسلمتهم وثوابتهم الدينية الأبوية بأسئلةٍ، تعتبرها طفولية إبداعية، من قبيل: لماذا طاعة الزوجة للزوج؟ وليس احترام الطرفين لبعضهما البعض؟ لأن ربّنا قال ذلك.. ومن يكون ربّنا؟ هو الذي خلقنا.. ومن خلق ربّنا؟

السعداوي كانت تُناقش قضية التمييز أو قضية المرأة كما تُسمى، بحكمة ورزانة، وتهدم أو تُفتت جذورها الثقافية ببساطة الأطفال؛ فالإبداع مرتبط بالعقل النّقي، والعقل النقي هو العقل الطفولي، فمنه يجب أن تُؤخذ الحكمة. ولهذا رأت أنه من الضّروري أن نعود إلى أسئلتنا الأولى وأخذها بمحمل الجد.

وفي هذا الإطار ميّزت بين “الأنا الطبيعية” و”الأنا الاجتماعية”، مبينةً أن الفرق بينهما يكمُن في كون الأولى لا تقبل المسلّمات وتجادل وتناقش، والثانية تختبئ وراء ما لُقن به الإنسان، وأصبح يُردده دون تمحيص جاعلاً منه مسلّمة لا تقبل النقاش.

وقالت إن “تحت اسم المحرمات يتوقف عقل الأطفال من طرح الأسئلة الطبيعيّة، وإن كان الطفل أنثى فإن المحرمات تكون مضاعفة، لأن القيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية التي تحكم الذكور ليست هي القيم التي تحكم الإناث”،(المصدر: قضايا المرأة والفكر والسياسة، ص17).

هنا لا بد من الإشارة إلى أن السعداوي، لا تقول هذا، لهدم كل الأسس الاجتماعية، بل من أجل تبيانه فقط، محاولة لإعادة النظر فيما لا يفيد، ويحمل في طيّاته الظلم، فهي تُؤكد في أماكن أخرى على أن “الإبداع لا يعني الفوضى”، مُقدسةً لجدتها “الفلاحة” الريفية ولثقافتها وتقاليدها، منتقدةً من خلالها الثقافة الذكورية الدينية المغلقة الرجعية، وفي الآن ذاته الثقافة الغربية التسليعية الاستهلاكية الرجعية أيضا.

هذا كان يُعجز خصومها من رجال الدين، أي الشيوخ؛ إذ لم يكونوا يستطيعون الرد عليها، فيلجأون إلى الهجوم عليها باتهامها بالجهل وعدم تفقّهها فيما يسمّونه بـ”العلوم الشرعية”، أي في الدين، وبالتالي تجاهلها ورفض الرد على تحليلاتها ومواقفها، أو اتهامها بأشياء أخرى.. وكل ذلك، بسبب قوة رؤيتها للقضية ومناقشتها العميقة لها. إنها لم تكن “بهلوانية” التفكير، وتجعل من هذه المعركة الحقوقية، معركة بلا هدف؛ فهي تهدم بعض الأسس التي تستمد منها التشريعات، وبالخصوص “مدونة الأحوال الشخصية” شرعيتها، لإعادة بنائها من جديد.

فهي كانت تنتقد بلا هوادة عدة مسائل، نذكر منها: “طاعة الزوجة للزوج، بدل الاحترام المتبادل”، “حق الطلاق”، “حق الولاية على الأبناء”، “النفقة”، “الإرث”..

مثلاً فيما يتعلق بـ”حق الولاية على الأبناء”، حكت قصة جرت لها، مع ابنتها، إذ أن هذه الأخيرة تفوّقت في إحدى الأنشطة المدرسية، وكانت ضمن من سيُمثل المدرسة في مسابقة خارج التراب المصري، لكن المشكلة هي أن من أجل ذلك، لا بد من موافقة الوالي، وهذا الأخير، وحسب التشريع القانوني، هو “الأب”، مما يعني أنها لم تكن تملك هي هذا الحق، على الرّغم من كونها هي من تربي وتنفق على ابنتها.. أليس هذا ظلماً؟

السعداوي قالت إن: “الإنسان الطبيعي يغضب حين يرى الظلم، لكن هذا الغضب الطبيعي أصبح كأنما هو غير طبيعي،، كأنما الظلم هو الطبيعي، وعلينا أن نتقبله بسرور ورضا، أو على الأقل بالصمت وعدم الاحتجاج. لكن الصمت موت، والاحتجاج على الظلم أولى الخطوات نحو الابداع”،(المصدر ذاته، ص 54).

المشكلة أن الظلم الذي تُبرزه المفكرة نوال، وتدعو إلى هدم أسسه وإعادة بنائها، وهُجمت بسبب ذلك، من الذين يعتقدون أنهم، هم وحدهم، من يحق لهم الحديث باسم الله عز وجل، هــي(المشكلة) أن: بعض “بهلوانيتو” التفكير، جرّدن القضية من عمقها، أي أبعادها أو أهدافها الحقوقية المساواتية، ولخصن المعركة في مقوّمات الجسد الأنثوي، وأزيائه.. وفي مواجهة الرجل، باتهامات تثير الاشمئزاز قبل الحسرة، وفيما بعد السّخرية.

إن السعداوي، التي يُمكن اعتبارها مرجعا من مراجع، محاربة التمييز بين الجنسيين، يُقلقها التعامل مع الإنسان ككتلة جسد فقط، وبالخصوص مع المرأة، رافضةً أفكار المتدينون المنغلقون الذين يريدون تغطية المرأة، والحداثيون المزيفون الذين يريدون تعريتها، قائلة إن: “بين هذين الفريقين تسقط المرأة ضحية، فهي إما جسد يُعرى لتبحلق فيه العيون، وإما جسد يُغطى حتى لا يراه الرجل،، كلاهما وجهان لعملة واحدة هي أن المرأة فقط هي الجسد”.(المصدر ذاته، ص61).

بل إنها كانت تتحسر وتنتقد بتهكم الجمعيات النسائية في مصر، اللواتي يبتعدن عن المعارك الحقيقية البطولية الكبرى للبلاد، مذكرةً في هذا الشأن بعدم الاهتمام، بشهيدات الاستعمار الإنجليزي في الـ14 مارس من سنة 1919؛ إذ قالت: “كم هو مخجل أن ينقضي أربعون يوماً على استشهادك دون أن تصبح ذكراك مناسبة وطنية يحتفل بها الشعب المصري كله، أو على الأقل نساء مصر. فأين هن نساء مصر والجمعيات النسائية وجمعية هدى شعراوي، وقد قدمتِ لوطنك يا “نعمات” من دمك وحياتك أضعاف ما قدمتْه هدى شعراوي حين خلعت الحجاب؟”،(نفس المصدر، ص 158).

هنا بالذات لا من الوقوف والإشارة إلى أن نفس الأمر عندنا في المغرب، من منا يعرف الكثير من المناضلات المغربيات الأصيلات اللواتي حملن السّلاح في وجه المستعمر الفرنسي، في منطقة أيت باعمران الشريفة؟ لماذا يُمارس التعتيم عليهن، ولا يذكرن إلى جانب بقية أبطال الشعب المغربي؟ الإجابة: أعلاه، تتمثل في رغبة الكثيرين تلخيص دور المرأة في جانب ثانوي، وتضخيمه، ألا هو الجانب الجسدي. (هاته المناضلات ذكرهن، محمد الوديع الأسفي، في كتابه: منطقة أيت باعمران؛ ملحمة البطولة).

أيضا نفس الملاحظة، بخصوص قضية اعتقال “سيليا الزياني”، في الحراك الشعبي بالريف، بعد مقتل الشهيد محسن فكري؛ حيث لم تكن غالبية التنظيمات النسوية في مستوى الحدث. فهن لا يهتمن إلا بغطاء الرأس، ومشتقاته!

المشكلة الأخطر، هي أن: بعض صاحبات المعارك الجانبية الهامشية، أو المعارك الصّدامية التمزيقية، إن صحّ القول، لا يخجلن من ترديد اسم “نوال السعداوي”، مما يعني أن هذه الكاتبة ظُلِمت، أولاً من هجوم المتدينون المنغلقون، الذين يرفضون فهم مواقفها الإنسانية، وثانياً من ترديد اسمها من طرف “بهلوانيتو” التفكير، الشيء الذي يرسم لها صورةً خاطئة في أذهان الذين لا يعرفونها.

وهي من قالت:

“إنني ضد أي محاولة لعزل قضية المرأة عن قضية تحرير البلد كله من النظام الطبقي والاستعمار الخارجي، كما أنني ضد أن تُستغل حماسة النساء العربيات، للتآزر والتساند مع اخواتهن في البلاد الأخرى، لضرب الثورات الشعبية التحريرية في آسيا أو إفريقيا أو في أي بلد آخر في العالم”،(نفس المصدر، ص 164)، وأضافت: “على النساء الغربيات أن يدركن أن المعركة الأساسية التي تُواجه النساء البلاد الإسلامية والعربية، ليست هي معركة فلسفية بين الإلحاد والإيمان بالدين، وليست هي معركة من أجل التنمية المحدودة أو التحديث على نمط الغرب،، ولكنها معركة من أجل أن تعود منابع الثروة الاقتصادية والثقافية إلى يد الشعوب، والتمكن من خلق نظام جديد على أنقاض النظام الطبقي الأبوي”،(ص167).

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

6 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
احميدة اليعقوبي
المعلق(ة)
27 يناير 2020 15:47

“هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا” صدق الله العظيم

ابو فاطمة
المعلق(ة)
26 يناير 2020 17:33

بالعكس يا استاذ ؟؟؟؟صاحبتك نوال السعداوي التي تقدسها وتدافع عنها لم تكن آراؤها تقنع حتى العلمانيين …هي اتبعت طريق :خالف تُعْرف…كانت انتقادها لا يقوم على اساس او مبدأ مقنع ؛ليس لانها ملحدة لاتؤمن بدين او عقيدة ولكنها كانت تدعو الى التفاهات والطبائع الشادة التي لا يتقبلها لا عقل ولا عقد ولا فكر راقي وكمثال على ماتقول انها كانت لاترى مانعا ابدا ان يتزوج الرجل بالرجل والمراة بالمراة بل تحبذه وتدعو له بكل صراحة وحماس (وانت جاي تقولي جدتها الفلاحة والكلام الخاوي)وبالمناسبة انت على ملتها ولكنك لن تضر الله شيئا فهو جل جلاله غني عنك وعنها وعن العالمين

سيدي وا
المعلق(ة)
26 يناير 2020 12:28

هناك الكتير من اشباه الرجال تفكيرهم انتوي اكتر من النساء انفسهم وهذا حال الكاتب الشاب الذي يحاول الدفاع عن سيدته المهووسة .

اقرأ وافهم ثم تكلم
المعلق(ة)
الرد على  Ali
26 يناير 2020 11:37

فعلا للآسف خاي علي.. لأن خصك على الأقل تقرأ، وبغض النظر عن استعاب الموضوع، يمكن لك آنذاك تكلم.

ذاك ماشي الكاتب اللّي طرحو، الكاتب غي نقلو من باب الأمانة، وماشي هو لب الموضوع.

بالنسبة لرأيك في الخالق، هذاك منطق ديالك.. بمعنى تصورك أنت المخلوق للخالق عز علاه (شكرا لك).

فيما يتعلق بهاذ الكلام “الخلاء رحب يتسع لكل مغبون بالصراخ..”، حتى هو رأيك، ونتيجة للقدرة على الفهم.

وأخيرا: موضوع المقال أعمق من هاذ الجزئية.. والحمد لله ربنا العظيم، والصلاة والسلام على رسولنا الكريم.

reda
المعلق(ة)
26 يناير 2020 11:32

خالص الشكر لصاحب التعليق ali. أشير فقط لكاتب هذا الإنشاء فهو لايرقى إلى مقال ولكن تعبير شخصي له ذلك. ولكن كان أولى أن تمحص في طرح الألفاظ. حاولت أن تطرح فكرتك ولكنك زدت الطينة بلة. أما حديثك عن السعداوي. فقد ولى عليها الزمن. ولا تحتاج إلى مزيد حديث. فما بني على باطل فهو باطل.

Ali
المعلق(ة)
26 يناير 2020 02:19

آسف، لم أتمم قراءة الإنشاء: توقفتُ عند السؤال ” هو الذي خلقنا.. ومن خلق ربّنا؟ ”
ليعلم كاتب الإنشاء أن هذا السؤال معيب، لا يستقيم لأن لا منطق له.. إذ يجعل من الخالق مخلوقاً في نفس الوقت، وهذا هو الخلل.. بالترميز الرياضي المنطقي، يعطينا التساؤل المغلوط الآتي: الخالق (=1+) ، المخلوق (= 1ــــ) .. الجمع بين المسلَّمة الأولى (1+) والمسلَّمة الثانية أي (1ــــ) يعطيك السلب أي 0 .. أي أن هذا السؤال معيب ولا يخضع لمنطق..
فيما يخص السيدة السعداوي ، طزطزاتها وشطحاتها بسودو الفكرية لا تهمني لا من قريب ومن بعيد.. فالخلاء رحب ويتسع لكل مغبون بالصراخ واجترار جِيَفِ الأفكار أو ما شابه .. على السيدة السعداوي وغيرها بمن يتشدق بالمعرفة القبول بالقاعدة التالية: مَن غربل الناس نَخَلُوه

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

6
0
أضف تعليقكx
()
x