2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]

محمد الدرويش
تابعت باهتمام بالغ – مرفوق بقلق ما صاحب مشروع قانون رقم 20- 22 الخاص باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي ، و شبكات البث المفتوح ، و الشبكات المماثلة من نقاش و تبادل للاتهامات بين أطراف حكومية ، و تابعين لهم بلغت حدا لم يعد المغاربة يطيقونه ؛ نقاش حول مواد مشروع قانون ” تمت المصادقة عليه مع الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات المثارة في شأنه التي سيتم دراستها من قبل اللجنة التقنية ثم اللجنة الوزارية المشكلتين لهذا الغرض “، كما ورد في البيان الصادر عن اجتماع مجلس الحكومة بتاريخ 19 مارس 2020 ، حيث تمت مناقشة فصوله و مواده بين أعضاء المجلس الحكومي برئاسة السيد رئيس الحكومة كما هو الأمر بالنسبة لمجموعة كبيرة من النصوص التشريعية و القانونية التي تعرض على أنظار أعضاء المجلس .
الاهتمام نابع من التزامي السياسي و الاجتماعي و انخراطي الواعي في القضايا الوطنية ، و القلق ناتج عن الانعكاسات التي تخلفها اليوم و غدا جائحة كورونا اجتماعيا و اقتصاديا و ماليا و هندسة جديدة لأسس العلاقات الدولية .
و من هذا المنطلق ، أدلو بدلوي في الموضوع ، فأؤكد :
– أولا على موافقتي المبدئية على اتخاذ كل الاجراءات و التدابير التشريعية و التنفيذية التي تجعل المغرب ينفذ التزاماته أمام المنتظم الدولي بخصوص قضايا حقوق الإنسان و الحريات الفردية و الجماعية و التجارة ومكافحة الجريمة الإلكترونية و غيرها ، و هذا ما يميز المغرب عن مجموعة من الدول العربية ، و الأفريقية ، وبعض الدول الغربية، الشيء الذي نلمسه مرات عديدة بجنيف ، و نيويورك ، و بروكسيل، و في كل الملتقيات الدولية التي يحضرها المغرب الرسمي و المدني .
– و ثانيا أضم صوتي إلى الأصوات الرافضة لهذا النوع من مشاريع القوانين و التي قد يتسبب في تراجع مسلسل الحريات ، ويناقض دستور المملكة المغربية خصوصا الفصلين 6 و 25 ، و التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الانسان من خلال مصادقته على مجموعة من الاتفاقيات، و العهود الدولية، و كذا نضالات نساء و رجالات الاحزاب الوطنية، و التنظيمات الحقوقية، و في مقدمتها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لسنوات طوال، دفاعا عن المغرب الديمقراطي الذي يضمن لبناته و أبنائه العدالة الاجتماعية، و تكافؤ الفرص، و الحريات الفردية و الجماعية، و الذي يرقى إلى مصاف الدول المتقدمة و المتطورة اقتصاديا و اجتماعيا و معرفيا .
و لعل المتتبع للعمل الحكومي، و للتصريحات التي تصدر عن بعض أعضائها بموجب، و أحيانا بدون موجب، يجد نفسه، مرات عديدة ، مذهولا و مشدودا أمام بعض منها، و التي تنعدم فيها بعض صفات رجالات الدولة بل ، و قد يمحي معها ما يتطلبه منطق المسؤولية من انضباط ، و تضامن حكومي ، و علامات حقيقية للانسجام بين مكوناتها، و ما حصل اليوم في موضوع مشروع القانون هذا ، ليس إلا النقطة التي أفاضت الكأس ، مما جعل النقاش بين الفاعلين السياسيين و الاجتماعيين و الحقوقيين يشعل وسائل التواصل الاجتماعي في زمن الحجر المنزلي ، و على أساس هاته المعطيات أسجل الملاحظات الكبرى التالية :
– كيف يمكن أن نفسر أن حكومة الكفاءات اصطدمت بعد ستة أشهر من تنصيبها بإقالة وزير من بين أعضائها و تسجيل الخلافات التي حصلت في مشروع القانون الجنائي و اليوم في مشروع قانون استعمال التواصل الاجتماعي و في تدبير بعض الملفات ؟.
– كيف يجوز مصادقة الحكومة على نص مشروع قانون لم يحصل فيه إجماع كل الوزراء و إحالته بعد المصادقة على لجنتين تقنية و وزارية للمراجعة و إدخال التعديلات كما ورد في بيان الحكومة ؟
– لماذا تسرب وثائق رسمية داخلية تخص موضوع لم يتم الانتهاء من مناقشته ، خصصت له لجنة خاصة تقنية و وزارية علم أعضاؤها .
ألم تكن أخلاق المسؤولية لرجالات الدولة تقتضي التحفظ ، و عدم تسريب أي خبر على الاتفاق و الاختلاف ؟.
– ألم يكن من الطبيعي و المنطقي مناقشة الموضوع بكل جوانبه داخل هاته اللجنة في جو الانسجام المعلن مرات عديدة و التضامن المفروض و مقارعة الحجة بالحجة ؟.
– ما علاقة هذا المشروع بما كان قد تم في عهد النسخة الأولى للحكومة برئاسة السيد سعد الدين العثماني حين اشترطت الحكومة على كل المواقع تسوية وضعياتها الادارية أمام السلطات ، و ما رافق ذلك من قرارات تعطل تنفيذها حكوميا ، أو ما صاحب قبل ذلك و بعده من فضح لبعض الممارسات و القرارات …”؟
– أليس مجموعة من التدوينات الصادرة عن أشخاص، و مواقع مفيدة للمجتمع المغربي ، و مساعدة لبعض المسؤولين للحد من الاعتداءات و السرقات و الانحرافات و الشطط في استعمال السلطة؟.
و أعتقد، أن طرح هذا المشروع اليوم ، و في زمن الحجر الصحي لم يكن موفقا ، نظرا لعدم توفر الشروط الملائمة لإثارة موضوع يحمل في طياته عناصر الاختلاف القائم على مرجعيات مختلفة ؛ فمهما توفرت الحجج الداعمة له ، فإنها تسقط بمجرد استحضار الأوضاع الحالية؛ ثم يبدو لي ، و كأن هناك تصفية حسابات بين البعض باستعمال وسائل متعددة …
و لذلك أعبر عن :
– استنكار ما يصدر عن بعض أعضاء الحكومة أو محيطهم من ضربات تحت الحزام في ظروف عصيبة يعرفها المغرب خصوصا ، و العالم عموما ، مع ما يرافقها من أوضاع نفسية، و اجتماعية ، و اقتصادية يعاني منها المواطنون و المواطنات .
– الاستغراب للصمت المطبق الذي رافق مرحلة ما بعد المصادقة من قبل مجلس الحكومة على مشروع هذا القانون ، إذ لم نسمع أي توضيح في الموضوع لا من طرف السيد رئيس الحكومة ، و لا السيد وزير العدل ، و لا السيد وزير التربية الوطنية و التكوين المهني و التعليم العالي و البحث العلمي الناطق الرسمي باسم الحكومة، و هذا أمر زاد في الأمر غموضا .
– دعوة الحكومة و مكوناتها السياسية و المعارضة لاستخدام العقل و المنطق الذي يستحضر الوطن أولا و الوطن ثانيا و الوطن ثالثا و الوطن دائما ، في ظرف نسجل فيه تعبئة وطنية مواطنة لكل أفراد الشعب المغربي وراء جلالة الملك محمد السادس تنبني على قيم المواطنة ، و التضامن في زمن كورونا الاستثنائي بكل المقاييس. و إن لم تستطع فإني أرجو تفعيل الآليات الدستورية ، لما فيه خير للوطن ، و المواطنات و المواطنين حتى يتمكن المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس من الخروج من هاته الأزمة الصحية ذات الانعكاسات السلبية اجتماعيا و اقتصاديا و ماليا و التي ستفرض على المسؤولين ضرورة مراجعة الأولويات و البرامج في كل المجالات و في مقدمتها منظومة التربية و التكوين و الصحة …
و في الختام لا بد أن أسجل اعتزازي بالتدبير المحكم و الذكي لجائحة كورونا ، و ارتياحي لوضعية الحالة الوبائية التي نتجت عنها ، و للانحدار الذي نسجله يوما بعد يوم في أعداد الحالات الحرجة و الخطيرة ، و كذا للتجاوب الواسع للمواطنات و المواطنين مع مقتضيات الحجر المنزلي ؛ كما نسجل بإيجاب هذا الإجماع الوطني الذي حصل زمن الأزمة الصحية هاته عبر التضامن و التعاون و المساعدة و الاستجابة لكل التدابير و الاجراءات التي تقررها الجهات المختصة، و هكذا نال تدبير المغرب للجائحة إعجاب مواطنيه و مواطناته ، و كذا دول، و منظمات دولية ، وهذا يجعلنا نفتخر و نعتز بالإنتماء لهذا الوطن :
فالوطن أولا و دائما .
ولأني أنتمي لحزب القوات الشعبية، و لأني عضو جهازه التقريري ، فإني أدعو الأخوات والإخوة أعضاء المكتب السياسي للحزب، لإصدار في أقرب وقت ممكن ، موقف واضح في الموضوع ، منسجم مع تاريخ الحزب النضالي ، و مع مواقف مناضلاته و مناضليه في موضوع الحريات و حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا .
و في الأخير ليس لي إلا أن أجدد التعبير عن الرفض المطلق لطرح مشروع قانون بفصول استثنائية، في زمن استثنائي ، تبث حالات الهلع و الخوف لدى مستعملي شبكات التواصل الاجتماعي ، و قد تكون عنوانا بارزا للتراجع عن المكتسبات في مجال الحريات و حقوق الانسان .
*عضو المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية؛ عضو المكتب السياسي للحزب قبلا .
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا