لماذا وإلى أين ؟

باحث تربوي: تدريس الثقافة اليهودية بمدارس المغرب لا يعني تدريس الثقافة الصهيونية(حوار)

أثار نشر صحيفة “يسرائيل هايوم” العبرية خبرا عن إقرار المغرب تعليم “التاريخ اليهودي” في مدارسه، قلقا لدى متتبعي الشأن التربوي ومخاوف من “مدى تأثير هذا القرار على المنهاج الدراسي المغربي، وتأثير ذلك على قيم الناشئة”.

واعتبرت صحيفة “يسرائيل هايوم” (إسرائيل اليوم) في خبر نشرته على موقعها الإلكتروني، أمس الأحد، هذا القرار المحتمل “سابقة هي الأولى في العالم العربي سيصبح التاريخ اليهودي وتراثه جزءاً من المناهج الدراسية في المغرب”؛ والذي ياتي بعد أيام قليلة من إعلان تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية الخميس المنصرم، برعاية أمريكية، وموازاة مع اعتراف دونالد ترامب بمغربية الصحراء.

وفي هذا السياق، كشف أستاذ علوم التربية ومناهج البحث التربوي بمركز التوجيه والتخطيط التربوي بالرباط، الحسن اللحية، عن تداعيات هذا القرار الذي تترقبه الصحيفة نفسها، إذا كان واردا أصلا، وما مدى صلاح تنزيله في المغرب، مبرزا، في هذا الحوار الذي أجرته معه “آشكاين”، عدة حلول لتجميع الثقافات المختلفة بالمغرب في “مدرسة واحدة دامجة”؛ موضحا أهم مستجدات المنهاج الدراسي المغربي.

وفي ما يلي نص الحوار:

بداية.. هل فعلا سيعتمد المغرب تدريس تاريخ اليهودي في المناهج التربوية بالمغرب؟

حاليا لا يتم تدريس الثقافة اليهودية بالمدارس المغربية، وإنما توجد مدارس خاصة باليهود المغاربة. وهنا تكمن الخطورة، لأنه لديك مواطن مغربي يعيش بالمغرب أكثر من 3 آلاف سنة وتوجب عليه إنشاء مدرسته الخاصة، ومقبرته الخاصة، ومحكمته الخاصة وغيرها.

ولحدود الآن ليست هناك وثيقة مكتوبة توضح أن المغرب سيعتمد تدريس التاريخ اليهودي بالمناهج الدراسية المغربية. وحتى إن كنا نريد أن ندخل مواد أخرى للمنهاج الدراسي، فذلك لا يتم في 24 ساعة، لأنه يجب ان يمر عبر مديرية المناهج، وأن يثار حولها نقاش بين مختصين، والأمر لا يهم تاريخ اليهود فقط، لأن التاريخ مشترك بين جميع المغاربة.

في حالة قرر المغرب اتخاذ خطوة تدريس التاريخ اليهودي او الثقافة اليهودية بالمدارس المغربية، كيف يمكنه ذلك؟

بالرجوع إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنجد إشارة دالة في ذلك الوقت على تصنيف الميثاق لليهود المغاربة ضمن ذوي الحاجات الخاصة، وهذا تقليل من شأن المواطنين في المغرب؛ ومازال هذا التصنيف قائما في الميثاق إذ أن الرؤية الاستراتيجية لم تتطرق لذلك. ويعتبر هذا التصنيف تقليلا من أهمية العنصر اليهودي بالمغرب، وتقليلا من مواطنة اليهودي المغربي؛ إذ أصبحنا نتعامل مع اليهود المغاربة وكأنهم جالية أخرى.

لذلك، فإذا كان هناك من اقتراح لبناء منهاج دراسي جديد، وجب ان نفكر فيما يسمى المنهاج المدمَج او المدمِج، فمثلا نقرأ مواد مشتركة وفي نفس الوقت تكون هناك اختيارات حسب ديانة المتمدرس، بحيث أنه في الوقت الذي سيدرس تلميذ التربية الإسلامية يمكن لطفل آخر أن يدرس التربية اليهودية. وسيصبح لدينا منهاج دراسي واحد وموحد، وفي نفس الوقت يحفظ الهوية والخصوصية.

والمسألة هنا لا تعدو كونها تتعلق بهندسة عاقلة تستحضر العنصر البشري المتواجد في منطقة معينة أو جهة ما، ويتم توفير أستاذ؛ بمعنى آخر إذا درسنا في وجود اليهود في المغرب عبر التاريخ ومساهمتهم في بناء الدولة والثقافة المغربية، وفي بناء رؤيتنا للأشياء، لا أعتبر أن هذا الأمر سيضر أحدا.

فيكفي أن تتجول في المدن والقرى المغربية، لتجد أن الثقافة اليهودية حاضرة، سواء في النسيج، أو الزربية، الجلابة، وفي السلهام، وغيرها. كما تكفي زيارة المتحف اليهودي في الدار البيضاء، لتجد أن ثقافة اليهودي هي نفسها ثقافة المغربي، بين الطبخ والأثاث وغيرها.

بمعنى آخر، المدرسة التي نريد يجب أن تكون مدرسة للجميع، وان تكون المواطنة في القاسم المشترك بين الجميع، فتدريس الثقافة اليهودية في المدرسة المغربية لا يعني تدريس الثقافة الصهيونية في مدارس المغرب.

وللإشارة فشعار الوزارة في علاقتها باليونسكو هو التربية الدامجة، بالتالي ذوي الحاجات الخاصة، وليس فقط اليهود المغاربة، وإنما حتى الأمازيغ المغاربة والصحراويين كذلك لهم حاجات خاصة لأنه يجدون أنفسهم مجبرين على التحدث بالعربية في المدرسة وهم في سن لا يسمح لهم أن يتعلموا اللغة العربية بهذه السرعة، لذلك على المدرسة ان تكون امتدادا للأسرة،

على كل حال فالمدرسة الدامجة هي مدرسة للإنصاف، وهي التي توفر سبل وفرص النجاح للجميع، وبالتالي علينا أن نخرج من الرؤية السائدة الآن، التي تنطلق من رؤية وزارة باب الرواح، خاصة وأن المغرب منخرط في ورش الجهوية، وهذه فرصة لتصبح كل اكاديمية تتوفر على مديرية كبرى تهتم بالبرامج والمناهج المحلية ليتم إدماجها في المنهاج الوطني، وكل جهة يكون لها إيقاعها وتوقيتها المدرسي حسب ظروف المنطقة المناخية وغيرها.

إذن، هناك إشكالات كثيرة وهي لا تتطلب التسرع، لان بناء التعليم في المدرسة يتطلب وقتا، والسياسة حينما تكون ضاغطة ستفسد علينا بناء مدرسة عادلة ومنصفة للجميع. والحل بالنسبة لي هو ان يندمج الجميع في مؤسسات واحدة، في التدريس والقضاء وغيرها.

فمثلا عندما يتجه اليهود المغاربة إلى التعليم العالي الطب مثلا، فهو يدرس بشكل عادي، إذ لا نجد ان هناك طبا يهوديا وطب مغربي، او رياضيات يهودية وأخرى مغربية.

يبدو لي أنه يجب أن يكون هناك منهاج فيه جدع مشترك يجمع جميع المغاربة، وخاصة في الابتدائي والثانوي، لأنه في الثانوي يبدأ التخصص في الشعب، ويصبح لدينا اختيارات في التدريس، للمحافظة على الهوية الدينة لمواطن ما نخصص له في ساعات مجدولة دراسيا إما التربية اليهودية او التربية الإسلامية حسب دينه.

ما قراءتكم لهذا القرار المرتقب الذي ذكرته الصحيفة العبرية؟

خلال هذه الأيام في علاقة الموضوع بقضية الصحراء وفي علاقته بإسرائيل، بدأت أعيد قراءة كتابات بعض المؤرخين منهم يهود مغربة، ومنهم حيم الزعفراني حول ألفين سنة من حياة اليهود في المغرب، وكل اليهود الذين هجروا إلى إسرائيل، وكـ”آشر كنافو”، وهو ابن الجديدة وعاش في الصويرة، ثم “سامي شالوم شطريت” وهو باحث ومؤرخ يهودي من أصول مغربية، كما اطلعت على بعض المونوغرافيات؛ كل هذه المراجع تؤكد على ان حياة اليهودي بالمغرب متأصلة وأصيلة في جميع مناطق المغرب دون استثناء.

والجانب الثاني هو أن يهود المغرب هم مواطنون كباقي المواطنين، وبما ان الدستور المغربي الأخير في 2011 ينص على التعدد اللغوي، كما انه ينص على حقوق الإنسان وحقوق الطفل.

وأنا يهمني هذا الجانب المرتبط بحقوق الطفل، بحيث ان كل طفل مغربي، سواء من أصول يهودية، امازيغية او حسانية أو غيرها، يجب ان يجد مقعدا في المدرسة، وعلى المدرسة ان توفر منهاجا كي تكون قريبة من حياة الطفل اليومية أي من الأسرة.

ولذلك تتحدث الأدبيات البيداغوجية عن اللغة الأم، وخاصة في الابتدائي، ومن هذا المنظور وجب وضع تصور عام لمنهاج دراسي يستحضر هذا التعدد الثقافي واللغوي في مدرستنا المغربية، ويعيد النظر في تعدد الأنماط التعليمية في المغرب بتوحيد المنهاج الدراسي.

فرضا أنه تم إقرار تدريس الثقافة اليهودية في المدارس المغربية، هل سيكون له تأثير على قيم الناشئة المغربية؟

أعتقد ان هذه هي الأحكام المسبقة التي تجعلنا لا نرتمي في المستقبل، فعلى المدرسة أن تعلّم العدل، الإنصاف والمواطنة، والتنافس الإيجابي، بناء الذات، النقد، تعلم الأذن أن تسمع، والأنف أن يشم وغيرها. هذه القيم كلها لا يختلف عليها المغربي الامازيغي مع اليهودي أو الدكالي أو الرحماني وغيرهم، فلذلك إن ببناء منهاج يستحضر هذه القيم ولكن ليس بالخطابة، ولكن في الوضعيات التعليمية والتعلمية.

فمثلا في كرة القدم سنتعلم التنافس الإيجابي، الإيمان بالقوانين، احترام الآخر، إذن نحن نعلم التلميذ قيما ولا نقولها له وهو يمارس كرة القدم وانما يصبح يمارسها فعليا. وهذا هو التعليم الذي ينقصنا، وليس التعليم الذي يصبح فيه المدرس خطيبا.

في نظري يخلق تعدد الأنظمة التربية أوراما داخل المجتمع، وأتمنى من الناحية السياسية أن نلتزم بمحتوى الدستور من حيث التعدد اللغوي والثقافي، وان نلتزم بمنهاج دراسي لجميع المواطنين المغاربة يراعي الجهويات والتعدد الثقافي واللغوي، وأن يكون منهاجا مدمَجا، ويستحضر الاختلاف والنقص والعجز الحاصل عند الآخر.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
ابو زيد
المعلق(ة)
15 ديسمبر 2020 13:53

حتى يكون التعليم او بالاحرى المنظومة بحد ذاتها ناجحة !!!
ااشخصك العريان….الخواتم امولاي…
نحن نفتقر الى تعليم في المستوى بشهادة المؤسسات الخارجية، مادام راي المغاربة لا يحترم!!!!
نحن نقبل بجميع المناهج شرط ان نبدا بارساء تعليم يفيد ابناءنا!!!
شرط ابعاد المتطفلين عن ابداء تصورهم لشيء هم ليسوا اهله!!!!
هل يفتي الخباز في النجارة، و لا الطبيب في العسكر،و لا المهندس في الصيد…..كل له اختصاصاته….
الا التعليم يفتي فيه من هم ……..

شهم
المعلق(ة)
14 ديسمبر 2020 22:40

بلغة الخشيبات للبعض :تدريس الثقافة الإسلامية لا يعني تدريس الداعشية.

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

2
0
أضف تعليقكx
()
x