لماذا وإلى أين ؟

ماذا بعد اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء؟

نورالدين البكراوي*

العاشر من ديسمبر من سنة 2020، هو يوم تاريخي في قضية الصحراء المغربية، ومنعطف سنقف عنده طويلا في كتب التاريخ المغربي. هو نفسه الحدث الأكبر على الإطلاق، الذي انتزعت فيه الدبلوماسية المغربية اعترافا صريحا من الولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمى الأولى في العالم، والعضو الدائم في مجلس الأمن وصانعة قراراته، بسيادة المملكة المغربية على كامل صحراءها.
ج

اءت البشرى في تغريدة في موقع التواصل الإجتماعي تويتر، للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقول فيها: “المغرب اعترف بالولايات المتحدة عام 1777، ومن المناسب أن نعترف بسيادته على الصحراء الغربية”. تصريح أقام الدنيا ولم يقعدها، قرار تصدر عناوين أكبر الصحف العالمية، وأثار جدلا واسعا في بلاطوهات القنوات الفضائية، وانتشر كما تفعل النار في الهشيم في وسائل التواصل الاجتماعي لضخامة الاسئلة المطروحة، وهول التأثيرات التي سيخلفها هذا القرار، خصوصا أنه جاء مرفقا بخبر آخر، كان وقعه كالصاعقة على الجميع، مفاده أن المغرب وإسرائيل قد توصلتا إلى استئناف تطبيع العلاقات الذي كان جزئيا بينهما، بعد توقف دام لمدة تقارب العشرين سنة (2002)، نتيجة الجرائم المرتكبة من إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني في الانتفاضة الثانية سنة 2000.

وفي خضم انفجار القنبلتين اللتين القى بهما الرئيس ترامب في الساحة الدولية بشكل عام، والوطنية المغربية بشكل خاص، أصدر الديوان الملكي بلاغا يؤكد أنه بعد اتصال هاتفي أجراه صاحب الجلالة الملك محمد السادس وفخامة رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، أخبر فيه هذا الأخير، أنه بالفعل قد “أصدر مرسوما رئاسيا، بما له من قوة قانونية وسياسية ثابتة، وبأثره الفوري، يقضي باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، لأول مرة في تاريخها، بسيادة المملكة المغربية الكاملة على كافة منطقة الصحراء المغربية .

وفي هذا السياق، وكأول تجسيد لهذه الخطوة السيادية الهامة، قررت الولايات المتحدة فتح قنصلية بمدينة الداخلة، تقوم بالأساس بمهام اقتصادية، من أجل تشجيع الاستثمارات الأمريكية، والنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لاسيما لفائدة ساكنة أقاليمنا الجنوبية”.

وقد تطرق البلاغ إلى أمور أخرى كالتدخل الحاسم والناجع، للقوات المسلحة الملكية، بمنطقة الكركرات، من أجل حفظ الأمن والاستقرار، وأشار إلى الوضع الراهن في الشرق الأوسط، وتم تذكير الجانب الامريكي في البلاغ “بالمواقف الثابتة والمتوازنة للمملكة المغربية من القضية الفلسطينية، مؤكدا أن المغرب يدعم حلا قائما على دولتين تعيشان جنبا إلى جنب في أمن وسلام، وأن المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي تبقى هي السبيل الوحيد للوصول إلى حل نهائي ودائم وشامل لهذا الصراع”.

كما نبه البلاغ إلى دور ملك المغرب بصفته رئيسا للجنة القدس، وبالمسؤوليات التي هو عازم على القيام بها والسهر على تحقيقها على أكمل وجه، بمعزل عما يحدث من علاقات مع الجانب الإسرائيلي”.

أما ما يخص استئناف العلاقات مع إسرائيل فكل مضامينها العامة موجودة في نص البلاغ للاضطلاع عليها مع ملاحظة في النهاية تقول:
“قد أكد جلالة الملك بأن هذه التدابير لا تمس بأي حال من الأحوال، الالتزام الدائم والموصول للمغرب في الدفاع عن القضية الفلسطينية العادلة، وانخراطه البناء من أجل إقرار سلام عادل ودائم بمنطقة الشرق الأوسط”.

ما لا مراء فيه بالنسبة للمغاربة، هو فرحتهم الغامرة بهذا الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، لكن ما يخص مسألة التطبيع، رغم أن الشعب المغربي تاريخيا يدافع عي القضية الفلسطينية ولا يتأخر في نصرتها، إلا انها اصطدمت بأكثر قضية تشغل بال المغاربة وتؤرقهم منذ ما يزيد عن أربعين سنة. الشيء الذي فتح شقا كبيرا بينهم وجعلهم منقسمين في الآراء بين مؤيد ومعارض لتطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل.

فالداعمين للقرار السيادي للدولة ومصالحها العليا، يرون أن الرئيس الراحل ياسر عرفات والرئيس أبو مازن وجل القيادات الفلسطينية وضعوا أياديهم في يد إسرائيل، وأقاموا معها علاقات في عز الصراع!
من يجدون التطبيع جيدا، يرون أن المغرب لابد له من إنهاء هذا الصراع الذي أثقل كاهل الدولة وشعبها وما يزال، ودرء الخسائر وما يهدد وحدتها وسلامة أراضيها ضرورة تاريخية. وهم يتمسكون بأن هذا التطبيع مجموعة من العلاقات الدبلوماسية والتجارية والثقافية كسائر العلاقات الأخرى مع الدول الإمبريالية التي أراقت دماء المسلمين والعرب واستغلتهم طيلة عقود، بل هي من زرعت بينهم إسرائيل، وساعدتهم في إقامة وطن لليهود في فلسطين، الأولى على كل العرب عدم التطبيع مع الدول المحتلة السابقة التي أذاقتهم ويلات الاحتلال والاستغلال على مدى عشرات السنين، كإنجلترا وفرنسا وغيرها. وما داموا قد فعلوا سابقا، لم لا يعيدون الكرة الآن؟
فرغم التطبيع، لا يوجد مانع أو تهديد على الرغبة المتواصلة للمغاربة في الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني ودعمه، والالتزام الدائم والموصول في الدفاع عن قضيته العادلة كما وضح بلاغ الديوان الملكي سابقا. ثم أنهم يقدمون الحجة الدامغة على أن المكون اليهودي في المغرب يتمتع بكافة الحقوق التي يضمنها له الدستور، وهو جزء لا يتجزأ من مكونات نسيج الشعب المغربي. وتجدر الإشارة بعد هذا، إلى أن هناك في إسرائيل أكثر من مليون مغربي يهودي (يحتلون المرتبة الثانية بعد اليهود الروس في التعداد السكاني الإسرائيلي)، يعشقون العلم المغربي ويحافظون على لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم المغربية، ويتشبثون بحبهم للأسرة الملكية ولا زالوا يعلقون صور ملوكهم في حيطان منازلهم من شدة الوفاء. بل إنهم يخرجون في مظاهرات داعمة للمغرب في شوارع إسرائيل نفسها، وفي المحافل الدولية كأي جالية مغربية خارج التراب الوطني، كلما مسه تهديد أو خطر؛ ولنا في أحداث الكركارات خير مثال على ذلك.

أضف إلى ذلك كله، أن عشرة وزراء من أصل 34 وزيرا في حكومة نتانياهو مغاربة الهوى والأصل واللسان، منهم رؤساء أحزاب إسرائيلية وكبار موظفين ، مع الوضع في الحسبان السلطة الدينية للحاخامات المغاربة اليهود أصحاب التأثير الأكبر؛ كلهم لهم ولاء مطلق للمملكة المغربية، ويعتزون بأصلهم المغربي، ومن حقهم التمتع والحلم بالجيئة والذهاب والتملك في وطنهم الأم في ظل علاقات عادية مع إسرائيل.

وهناك على النقيض من ذلك، من يرفض التطبيع مع إسرائيل جملة وتفصيلا، بل يعتبره قمة الذل والهوان والخيانة. يحملون شعار لا عاش من خان القضية الفلسطينية. هي أجيال حفظت منذ نعومة أظافرها عن ظهر قلب، النشيد الوطني “موطني” للشاعر ابراهيم طوقان والملحن اللبناني محمد فليفل، هي نفسها من تزينت بالكوفية افتخارا، وخرجت في مظاهرات مليونية تضامنا مع فلسطين في كل استيطان أو عدوان سافر جديد، إلى غير ذلك من انتهاكات لحقوق الإنسان من طرف إسرائيل.
هذه الفئة تحلم بفلسطين حرة أبية ومستقلة. هو نفسه الشباب الذي تابع الصراع العربي الإسرائيلي، وفرح لأفراح العرب وانكسرمع نكساتهم وحزن لنكباتهم.

هي شبيبة مغربية عريضة تماهت مع حياة حنظله، وبكت حزنا على المذابح والتطهير العرقي. لذلك لا أحد منهم استطاع بالإضافة إلى ذلك، نسيان مقتل الدرة ولا محسن من ذاكرته مشاهد الانتفاضات المجيدة والخالدة…
هؤلاء لا يزايدون على القضية الفلسطينية ولو تعلق الأمر بقضية الصحراء المغربية المقدسة، ولا يجرؤون على المساومة أو التفكير في المقايضة بها أو عليها، مادامت تحت الاحتلال الإسرائيلي المعتدي الغاشم، الذي أراق الدم حتى وصل إلى الركب، وافتخر بتلطيخ يده بدم الفلسطينيين الأبرياء، وما يزال إلى اليوم يحيطهم بجدار عنصري ملعون، ويطردهم من بلادهم، ويشتتهم في مغارب الأرض ومشارقها، ويقتص من بلادهم كل يوم أكثر بضم أراض فلسطينية جديدة.
هذا الرأي له مرجعية منبثقة من التاريخ و من تنشئة اجتماعية قائمة على قيم العروبة المثلى، وعلى حلم قيام الدولة الفلسطينية، وتحقيق استقلالها. وهم لا يقبلون أي تنازل قبل تحقيق ذلك.

التياران إخوة، وهم في النهاية يشكلون النخبة المثقفة في المجتمع المغربي ولابد لحركة التاريخ أن تأخذ مجراها الملزم للطرفين.

أمام هكذا مشهد جديد نتساءل: هل فعلا الاعتراف بسيادة الولايات الأمريكية ومؤسساتها حاسم في الدفع إلى غلق ملف الصحراء المغربية، واعتباره منتهيا بإعطائها حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية؟ الإجابة قطعا نعم.

إن المغرب الآن مدعوم من أكبر قوة في العالم ورئيسة حلف الناتو بمرسوم رئاسي قانوني يستمد قوته من الدستور الأمريكي الذي يلزم البيت الأبيض بالدفاع عنه.

توالت السنين، والرسالة كانت واضحة جدا، مفادها أن المغرب معه الشرعية، ومشروعه الجدي والواقعي المتمثل في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ، تلتف عليه وتؤيده أغلب دول العالم مع اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، بدليل أنه منذ السبت 12/12/2020، اعتمدت الولايات المتحدة “خريطة رسمية جديدة” للمغرب تضم الصحراء المغربية، وأضحت 163 منها، أي 85 في المئة من منظمة دول الامم المتحدة، لا تعترف بالكيان الوهمي، وتتعامل مع المغرب كبلد له كامل السيادة على أراضيه في الساقية الحمراء ووادي الذهب، وبمباركة من الأمم المتحدة. وهذا يظهر جليا في المواقف البناءة للقوى العظمى التي أبرمت ولا تزال شراكات استراتيجية واقتصادية مع المغرب، تشمل أقاليم الصحراء المغربية كجزء لا يتجزأ من التراب المغربي.

يوما بعد يوم، صار الجميع مقتنعا، أن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها. وهو ثابت في مواقفه، متعاون إلى أبعد حد من أجل حل حاسم ونهائي للصحراء المغربية، فاتح ذراعيه لكل من يريد العيش فيها من أبناءها، حتى وإن كانوا من البوليساريو، ما دام الوطن دائما كان ولا يزال، غفورا رحيما.

خلاصة هذا الموضوع، تسير في ختامه إلى التأكيد على أننا قد نتفق أو نختلف في كل القضايا، لكننا – سواء أحببنا أم كرهنا- لا يمكننا إلاّ أن نتحد فيما يخص قضية الصحراء المغربية المصيرية. يكفي المغاربة أن يتحدوا فحسب، آنئذ سيصير بالإمكان لهم أن يصبحوا خير شعوب هذه الأرض بأكملها!

*باحت مغربي

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

 

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x