لماذا وإلى أين ؟

المخزن وسوس: إعادة ترتيب المستقبل

عبدالله بوشطارت

صورة العثماني زعيم الاسلاميين ورئيس الحكومة بالمغرب، مع مئير بن شبات مستشار الأمن القومي الاسرائيلي، بعد اتفاق بين المغرب وإسرائيل، هي صورة للتاريخ، هي صورة تحتمل العديد من القراءات والتأويلات، بل إنها تحمل الكثير من الرسائل السياسية الكبرى. كتبت مقالات وتحليلات واجريت استجوابات صحفية عديدة من قبل جميع الأطراف والدول والحساسيات السياسية في العالم. قيل الكثير حول هذا الاتفاق ولن نضيف على ذلك المزيد من الكلام. ولكن يهمني شيئ واحد أثناء التمعن في هذه الصورة وهو ما الذي سيقوله المؤرخ ؟ التاريخ الذي تساعده الانثروبولوجيا السياسية والسوسيولوجيا، وبتعبير آخر ما يسميه عبدالله العروي بالأصول الاجتماعية والثقافية. فعلا المؤرخ النبيه سيعرف جيدا ما المقصود من هذا الكلام.
زعيم سياسي/ رئيس حكومة إسلامي يوقع مع زعيم ومسؤول كبير يهودي اتفاق مهم أمام أنظار الملك. في ميزان التاريخ هذا شيئ طبيعي جدا بالنسبة لمؤسسة المخزن التي يترأسها السلطان في المغرب منذ قرون، وكان يوازن السلطات الدينية والسياسية والاقتصادية بين زعماء القبائل والزوايا واليهود، وهي بنيات لاتزال قائمة في المغرب بالرغم من وجود دولة حديثة ومؤسسات تظهر على أنها تجسد مؤسسات الدولة الحديثة كما هي متعارف عليها في الدول الغربية التي افرزت طبيعة هذه الدولة. وذلك ما يظهر أثناء الاستقبال الملكي للوفد الاسرائيلي حيث ظهر السيد مئير بن شبات بالفعل أنه يجسد حقيقة هذه الخطاطة التقليدية التي تربط المغاربة اليهود بالسلاطين المغاربة، ومؤسسة السلطان داخل المخزن. ويظهر أيضا ان اختيار بن شبات لرائسة الوفد الاسرائيلي ليس اعتباطيا.
غير أن، ما يستأثر انتباهنا هو الأصول المشتركة لكل من العثماني رئيس الحكومة المغربي وبن شبات المسؤول الاسرائيلي، اللذان ينحدران من سوس. هل هذه صدفة؟
بالرجوع إلى طريقة تعيين العثماني رئيسا للحكومة وانتخابه أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية الإسلامي ( أكبر وأقوى حزب سياسي في المغرب) يتبين انه كان بمثابة الحل والخيار الذي استنجدت به الدولة لإيجاد حل سياسي سلسل أثناء البلوكاج الذي تسبب فيه سلفه عبدالاله ابن كيران رئيس الحكومة السابقة والمعين لتشكيل الحكومة الحالية وفشل في المفاوضات مع الأحزاب، وهو ينتمي إلى أسرة فاسية عريقة تزاوج بين المال والسلطة والمعرفة منذ قرون، وكان ابن كيران معروف بالاستقواء على الدولة ويهددها بالشعبوية والشعبية التي كان يعتقد انها يحظى بها، ومعروف أيضا بالعداء الكبير الذي يكنه للامازبغية كلغة وهوية وثقافة، وبعد بلوكاج حكومي دام تقريبا نصف سنة، تم اللجوء في الاخير إلى العثماني السوسي الذي استطاع أن يوفق بين الأحزاب المشكلة لأغلبيته الحكومية وتدبيرها بحكمة ومرونة وبالتي هي أحسن.
أما ثاني قوة سياسية وحزبية في المغرب، يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، بالرغم من كونه يتزعم معارضة الحكومة إلا أنه حزب قريب من السلطة والادارة، كان أريد له ان يواجه الاسلاميين إلا أنه فشل في ذلك، خاض عدة مسارات، أعطيت قياده في الوهلة الأولى لأمين عام ينتمي إلى الصحراء وظهر أنه يصعب قيادة حزب في ذلك الحجَم، ثم انتقلت زعامته إلي الريف حيث تمكنت مجموعة من اليساريين إلى تزعم غرفة القيادة في الحزب، لكن فشلوا فشلا ذريعا في مهامهم بالرغم من الامتيازات التي حصلوا عليها والامكانيات الكبيرة التي وضعت تحت تصرفهم، والتجأ الحزب إلى إجراء عملية جراحية سريعة بدون تخدير، وأعطيت القيادة لمنطقة سوس في شخص عبداللطيف وهبي الذي يمثل إقليم تارودانت داخل مجلس النواب، ليترأس ثاني قوة سياسية بعد الاسلاميين.
أما الرهان الثالث الذي قامت الدولة بإعادة تهيئته وتحضيره ليكون حليفا معارضا داخل الأغلبية الحكومية التي يتزعمها الاسلاميين، وهو حزب الأحرار الذي يهيمن على اهم القطاعات الوزارية الاستراتيجية داخل الحكومة، لقطع الطريق على الحزب الإسلامي. فقد كان الحزب الذي لعب دور العجلة الاحتياطية بعد فشل حزب البام، حيث تمة الاستعانة بالميلياردير السوسي الكبير أقوى وزير فلاحة خلال 20 سنة الماضية، وهو عزيز أخنوش لرئاسة الحزب بعد الاطاحة بمزوار من مكناس، وقبله مصطفى المنصوري من الريف، الذي تم إرساله سفيرا إلى السعودية، وهو شقيق المنصوري الجنرال الذي تم الحاقه بالتقاعد مؤخرا. عزيز أخنوش تزعم البلوكاج وساهم في الاطاحة بابن كيران، والآن يقود دينامية اعلامية و سياسية يقول انه سيفوز بالمرتبة الأولى في الانتخابات المقبلة، يعني سيطيح بالاسلاميين، وذلك ما يستغربه المراقبون والمتتبعون للشأن السياسي.
باختصار، الإسلاميون يتزعمهم العثماني السوسي وخصمه الأول داخل الحكومة هو السوسي عزيز أخنوش، والمعارضة خارج الحكومة يتزعمها أيضا السوسي عبداللطيف وهبي.
واليوم الاتفاق مع إسرائيل الذي جاء في سياق الدفاع عن الصحراء المغربية، يتزعمه يهودي من سوس. فهل كل هذه الرهانات على سوس، جاءت بالصدفة؟ لا أعتقد.
المؤرخ الذي يدرك دور منطقة سوس في تاريخ المغرب وفي ضبط توازناته وتناقضاته، ويعرف أيضا كيف يفكر المخزن دائما ومنذ قرون في استمراريته، وهو الذي سينتبه إلى أن ما يحدث الآن هو ترتيب للمستقبل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

1 تعليق
Inline Feedbacks
View all comments
شهم
المعلق(ة)
31 ديسمبر 2020 05:05

جون واتربوري في كتابه المشهور عن المغرب لمح إلى أن الصراع السياسي في المغرب يحركه صراع بين السواسة و الفواسة ، و نرى ذلك أيضا في انشقاق زعماء من حزب الاستقلال الذي يعتبر حزبا فاسيا وتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كانت سوس قلعته و مصدر دعمه وقوته، لا يجب أن ننسى أن سوس مهد أعظم الامبراطوريات المغربية كالموحدين و السعديين، و بعد الاستقلال حصل الفواسة على تركة الاستعمار الاقتصادية فكانت ردة فعل الفواسة السيطرة على التجارة بالتقسيط..مونطاني اعتبر أنه لا يمكن دراسة تاريخ و سوسيولوجية المغرب دون العودة لسوس.

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x