لماذا وإلى أين ؟

أنجيلا ميركل الدرس الذي لم نستفد منه

تودع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل منصبها وتنهي حياتها السياسية الحافلة بالمنجزات العظيمة دون أن يتظاهر الناس لإسقاطها أو يقول لها أحد “إرحلي”.

انتخبها الألمان فقادت البلد لمدة تقرب من عقدين عرفت خلالهما ألمانيا تحديات عظمى، واستطاعت ميركل أن تواجه تلك التحديات بهدوء وحكمة ورصانة وعقلانية قل نظيرها، وخلال مدة حكمها لم يسبق أن اعتبرت نفسها أسمى من القانون أو عاشت فضيحة إدارية أو مالية، أو خرقت التعاقد الديمقراطي الذي يربطها بالألمان.

لم تقم ميركل خلال هذه المدة كلها باستغلال إمكانيات الدولة لمصالحها الشخصية أو لخدمة أقاربها، ولم تجعل عملها ونجاحاتها ركيزة لعبادة شخصها، ولم تبحث عمن يؤلف أغان وطنية في مدحها، ولم تعمل على إرشاء صحفيين لتتبع خطواتها والتنويه بها بمناسبة وبدونها، ولم تحتل نشرات الأخبار لمدة ساعة ونصف، ولم تعتبر نفسها ذات شرعية مستمدة من السماء، ولم تعتقل معارضيها أو تنظم لهم محاكمات صورية للانتقام منهم، كانت تستمع إليهم بإمعان وصمت وبرودة أعصاب مثالية، وتتصرف بعد ذلك وفق القانون وبرنامجها السياسي، وحسب ما يمليه عليها ضميرها، ولم تجمع ثروة خلال توليها لمنصبها، بل إنها ستعود لحياتها السابقة البسيطة، مع جيرانها السابقين.

تركت ميركل موقعها السياسي بعد أن جعلت من ألمانيا القوة الأولى في الاتحاد الأوروبي. ولم يعتبر الشعب الألماني أن ما فعلته ميركل مِنة منها أو صدقة، بل اعتبروا أنها لم تقم إلا بواجبها الذي من أجلها انتخبت، والذين انتخبوها لم يقولوا إنها امرأة قد تغلب عليها العاطفة وأنها ناقصة عقل وأنهم قد لا يفلحون إذا ولوها أمورهم. بل نظروا إلى كفاءتها وحنكتها ودهائها، لأنهم يفكرون انطلاقا من الواقع لا من نصوص جامدة أو فقه قديم.

وعندما انهارت سوريا تحت ضربات الإرهاب والفتنة الطائفية وتشرد شعبها في المنافي، استقبلت مليون سوري، واجهت بسببهم حملات شعواء من اليمين المتطرف، ووقفت بصرامة وحسّ إنساني عال مع اللاجئين رغم أنها كان بإمكانها أن تقوم بنفس ما قامت به الدول المجاورة لها، لم تسأل اللاجئين عن عقائدهم أو أنسابهم وشجراتهم العائلية، ولم تنظر إلى ألوانهم، لكنها خصّصت ميزانيات هائلة لاستقبالهم وتعلميهم وإيوائهم وتشغيلهم وتربية أبنائهم أحسن تربية، فاستفادت ألمانيا الزيادة في نسبة سكانها الذين يعانون من مستوى خصوبة متدن، واستفاد اللاجئون الأمان والأمن والشغل ومستقبل أبنائهم في بلد العلم والحضارة.

سيرة ميركل صفعة لكل الحكام والشعوب البئيسة التي تعيش بمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ودرسٌ لا أعتقد أن أحدا سيستفيد منه من أبناء هذه البلدان التي تعدّ جحيما للمرأة في الإحصائيات والأرقام العالمية، حتى صار من ثوابت الثقافة السائدة في هذه البلدان احتقار النساء وتبخيس أدوارهن والحرص على جعلهن يبقين تحت الوصاية.

على كل العرب والمسلمين أن ينحنوا احتراما لهذه السيدة العظيمة ويطهروا مرجعياتهم الثقافية والدينية من كل نصوص تحقير النساء والاستهانة بذكائهن وكفاءتهن.

وبهذه المناسبة، على الذين أزعجهم تفوق الإناث في الامتحانات بالمغرب أن يتقبلوا الهزيمة ويخجلوا من كسلهم وتبلدهم الذهني.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

4 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
اليزيدي
المعلق(ة)
11 يناير 2021 11:03

تحياتي الاستاذ عصيد،
مقاربتك متميزة ،نحو المسار السياسي والانساني للسيدة ميركل ،المستشارة الالمانية ،لتكون عبرة ونموذج_لحكامنا _الجاثمين على السلطة بالدهاء والاحتيال والايديولوجيا السخيفة ،وفي كثير من الحالات ،بالنار والحديد،
ان النموذج الالماني (في زمن ميركل)،نموذج لانجده سوى في الدول الغربية ،ولايمكن ان يتخذه الحكام العرب قدوة ومثالا ،هيهات ،اذ لمن سيتركون استفادتهم من الريع والامتيازات ،وصفات القدسية التي يفرضون على الشعوب المغلوبة على أمرها.

عبدو
المعلق(ة)
11 يناير 2021 10:22

ولا ارضعت كبيرا ولا برحها زوجها ضربا اذا لم تكن مستعدة نفسانيا لمضاجعته .ولا جيشت النساء على الرجال الذين يملكون “القوامة ” .بل عززت التحضر والتمدن وشجعت الفن والتفكير.وساوت بين مواطناتها ومواطنيها .ولم تفضل بعضهم على بعض الا بالكفاءة والاستحقاق.
وصدق المتنبي حين قال
قلو كانت النسء كمن فقدنا لبضلت النساء على الرجال

اطال الله عمرها وحفظها من كل داء ووباء وبلاء .اااااااااااااااااااامين.

محمد أيوب
المعلق(ة)
11 يناير 2021 01:20

امرأة بمليون رجل من حكام العرب من المحيط الى الخليج:”
“…لم تقم ميركل خلال هذه المدة كلها باستغلال إمكانيات الدولة لمصالحها الشخصية أو لخدمة أقاربها،ولم تجعل عملها ونجاحاتها ركيزة لعبادة شخصها،ولم تبحث عمن يؤلف أغان وطنية في مدحها،ولم تعمل على إرشاء صحفيين لتتبع خطواتها والتنويه بها بمناسبة وبدونها،ولم تحتل نشرات الأخبار لمدة ساعة ونصف،ولم تعتبر نفسها ذات شرعية مستمدة من السماء،ولم تعتقل معارضيها أو تنظم لهم محاكمات صورية للانتقام منهم، كانت تستمع إليهم بإمعان وصمت وبرودة أعصاب مثالية…”…وأضيف إلى ذلك أنها لم تعمل على تغيير نصوص الدستور من أجل استمرار هل في الحكم ولو كرئيس الحكومة…كما أنها لم تبادر إلى تجييش أنصارها في حزبها لينادوا ببقائها في زعامة الحزب…طيلة مدة تدبيرها لشؤون بلدنا أبانت عن علو كعب عز نظيره:قمة في التواضع:مسكن جد عادي…تتسوق بنفسها… تتجول من غير حرس ولا خفر…هنيئا للألمان ولغيرهم من شعوب أوروبا حيث توجد ديموقراطية حقيقية…متى سيوجد ببلداننا ما هو كائن هناك؟؟؟!!!على المدى القريب والمتوسط من المستبعد حصول ذلك…على المدى البعيد ممكن…

ابو زيد
المعلق(ة)
11 يناير 2021 00:39

ما لم يقله عصيد هو ان في العالم باكمله لا توجد ميركل اخرى !!!
نحن لم نكن ضد المرأة كمسلمين و كعرب يا من تدعي الحداثة!!!
نحن ضد الوصوليين و الوصوليات باسم المرأة!!
اكثر من ذلك ميركل علقت على الاحداث الاخيرة في امريكا بالقول انها لن تجيش الناس حتى تعتزل السياسة!!!
ان قراءة الاحداث من باب توجيه فوهة البندقية في اتجاه النعرات و القناعات، انما هو توضيف لوقائع خدمة لعبت قبلي و ميوعي تحت يافطة الحداثة، و تحت مظلة الدفاع عن المرأة!!!
اتعلم اننا نقبل اقدام أمهاتنا ايمانا و يقينا بان الجنة تحت اقدامنهن!!!
الا يسرك ان بهذا نحن نحترم المرأة الام و الاخت و المعلمة و الطبيبة و…و…
و لا نريد ان يسطع نجمها باستغلال جسمها….تحت تسمية حريات…بل بعقل يصاحب جمالها…
انت تغرد خارج السرب دائما و لو باقحام ميركل لضرب ….

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

4
0
أضف تعليقكx
()
x