2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]

يبدو أن مسببات تأجيل القمة الإسبانية المغربية “أكثر تعقيدا” مما يطفو على سطح المنابر الإعلامية الإسبانية، والتي تحاول أن تخفي هواجس بلدها من “الوضع الإقليمي الجديد” الذي صار المغرب يحظى به لدى الدول الكبرى.
إذ كشفت وكالة إيفي وصحيفة “إلباييس”، في وقت سابق، أن القمة الاسبانية المغربية لن يُكتب لها الانعقاد هذا الشهر، كما كان متوقعا، ولم يحدد لها أي تاريخ جديد، بعدما كانت مقررة في 17 دجنبر الماضي.
وقالت إيفي استنادا إلى مصادر حكومية إن “الوقت لا يزال حساسا للغاية لتحقيق هذه التوقعات حول القمة المعلقة، “وبالتالي يتعين علينا انتظار الظروف التي تسمح بتطويرها بكل الضمانات”.
الأسباب المتضاربة بين الإعلام والدبلوماسية الإسبانيين تتأرجح بين تداعيات كورونا وما ألحقته من تأجيلات مشابهة لقمم إسبانية مع نظرائها من دول أخرى غير المغرب، إلا أن أسئلة كثيرة تطرح نفسها خاصة أن الإعلان عن التأجيل يأتي في كل مرة متزامنا مع أحداث كبرى تشهدها المنطقة، في ما قد يبدوا لمتابعي الشأن السياسي الدولي وكأنه مجرد تحجج إسباني لإخفاء الأسباب الحقيقية لهذا التأجيل المتواصل.
ولِـبسط الأسباب الخفية لتأجيل القمة الإسبانية المغربية، تستضيف “آشكاين” المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية، عصام لعروسي، في حوار نحاول من خلاله استجلاء الدوافع التي أدت إلى التأجيل غير ما مرة لهذه القمة رفيعة المستوى، والتي ظلت تحظى باهتمام كبير من كلا الطرفين.
وفي ما سيلي نص الحوار:
بداية..ما هي الأسباب الحقيقة وراء تأجل القمة الإسبانية المغربية؟
الأزمة مازالت قائمة بين المغرب وإسبانيا، رغم وجود بعض التصريحات الإسبانية تفيد أن العلاقات بين الجانبين في منحى تصاعدي، لكن في نهاية الأمر مسببات الأزمة خاصة من الجانب الإسباني متعددة الأوجه.
أولا، الوجه السياسي، المتمثل في التقدم المغربي في قضية الصحراء خصوصا مع الموقف الأمريكي، إضافة إلى البعد الاقتصادي مع قرار المغرب إغلاق معبر سبتة، بمعنى أن الاقتصاد الذي تعتمد عليه المدينتين، المتمثل في التهريب، أصبح مسألة ربما من الماضي. والمغرب يفكر جديا في قطع الطريق أمام هذه الخسائر التي كان يتكبدها، والتي كانت كبيرة جراء هذا التهريب.
من جهة أخرى نجد التقارب الإسباني الجزائري، وخاصة مع الخط البحري الذي تم الإعلان عنه بين ميناء الغزوات الجزائري ومليلية المحتلة، زيادة على أن تشكيلة الحكومة الإسبانية، بها فصيل أساسي يشكل للحكومة، المتمثل في حزب “بوديموس”، وأحزاب يمينية متطرفة، تؤمن بالحق في تقرير المصير بالنسبة للشعب الصحراوي، وتدعم مقولة إنشاء دولة، وهذا أمر لا تقبله المؤسسة الملكية ولا يقبله المغرب بشكل عام.
وجود هذه العناصر الحزبية التي تؤيد أطروحة الانفصال، تجعل من المؤسسة الملكية أو حتى من باقي مؤسسات المغرب ترفض كل تدخل اسباني في هذا الشأن. وإسبانيا تملك بعض مفاتيح الحل، لأنها هي التي كانت قد لعبت دورا أساسيا في عرقلت الاستفتاء، من خلال ارتفاع عدد الطعون التي تجاوزت في سنة 1984 وبعدها في التسعينات، تجاوز 134 ألف طعن، مما جعل مسألة الاستفتاء مستحيلة.
من جهة أخرى، إسبانيا وفرنسا، تشعران بأن هناك سبقا أمريكي، أو دعما أمريكيا للمغرب من خلال قضية الصحراء، إضافة إلى أن الجانب الأمريكي يحاول أن يكسب أوراقا اقتصادية من خلال تنمية الأقاليم الصحراوية وضخ مليارات الدولارات في هذه المنطقة، باعتبار هذه المنطقة محادية لما يسمى “الخاصرة الرخوة” لإفريقيا وساحل جنوب الصحراء، والتي تعج بالجماعات المتطرفة، والجماعات المتعلقة بالجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات والبشر، إلى غيرها من الملفات التي ترغب الدول الكبرى في إنهاءها.
في حين، يظل الخطاب الإسباني متشبثا بالمد الاستعماري وبالأفكار الشوفينية التي بدأت مع فرانكو وظلت إلى الآن، باعتبار أن المغرب هو ذاك البلد الذي كان محتلا من طرف اسبانيا.
لهذه الأسباب، أظن أن الشروط الضرورية الدُّنيا لاجتماع القمة بين المغرب وإسبانيا لم تختمر بعد، وخاصة على مستوى رؤساء الدول، أو بالأحرى على المستوى الأعلى دبلوماسيا بين الملك المغربي ورئيس إسبانيا.
أظن أن هذه العوامل تعيد تأجيل هذا الموضوع، مع استشعار اسبانيا أن هناك حركية اقتصادية مغربية، ورغبة في تنمية الموانئ الرئيسية في الأقاليم الصحراوية، أو في الأقاليم الشمالية والشرقية، وهذا أيضا معطى يزيد من حَنَق الإسبان، وهو ما يزيد تصاعد الخطاب العنصري، رغم أن التصريحات الرسمية تحاول طمأنة الشعبين على أن العلاقات عادية، ولكن في حقيقة الأمر نحن نعيش على إيقاع أزمة جديدة بين المغرب وإسبانيا .
هل كان لتعنيف القاصرين المغاربة من قبل الشرطة الإسبانية أثر في تأجيل هذه القمة؟
مسألة القاصرين وتعنيفهم وطريقة التعامل معهم، كلما اشتد الاحتقان السياسي على مستوى القمة كلما اشتدت الآلة القمعية الإسبانية في التنكيل بالقاصرين، في حين أنه قبل ذلك لم يكن هذه التعامل بهذا الشكل، بل حتى أن فرنسا حاولت ترحيل القاصرين المغاربة مع العلم أن الأمر غير قانوني وغير شرعي.
وأظن أن هذا التصعيد الذي يتم على المستوى الأدنى هو يترجم الأزمة على المستوى الأعلى دبلوماسيا؛ وصحيح أن الأمور لم تصل إلى حد استدعاء السفيرين، وهو أعلى درجة من الاحتجاج، ولكن هناك احتجاج صامت من قبل المغرب، من خلال رفضه عقد هذه القمة مع إسبانيا، والتي ترغب فيها إسبانيا أكثر، باعتبار الملف الحارق لدى اسبانيا هو ملف الهجرة غير النظامية، خاصة في الجزر المحادية لـ”لاس بالماس”؛ وهي القضية التي تشغل إسبانيا أكثر من غيرها.
وقضية الصحراء ليست في الأجندة الإسبانية، إلا من خلال تبادل الخطابات، وسيغتنم المغرب في حال أوتيت له أي فرصة أو اجتماع لتمرير بعض الرسائل في هذا الباب.
في نظرك هل تسرع احتجاجات الفنيدق من عقد هذه القمة؟ خاصة إذا لم يتم توفير بدائل اقتصادية للتهريب المعيشي في أقرب وقت.
للأسف، الحديث عن بدائل حاليا، من قبيل الضحك على الذقون، لأن الأزمة بنوينة أساسا، رغم أن هناك محاولات من شركات كبرى مغربية المنشأ لاستبدال المنتجات الواردة من سبتة ومليلية المحتلتين بمنتوج مغربي.
ومسألة تسريع انعقاد القمة المغربية الإسبانية مرتبطة بقضايا أكثر تعقيدا من مسألة الفنيدق أو من الاحتقان الذي تعيشه الساكنة، والأمر مرتبط بقرار سيادي، ولا يمكن للمغرب أن يرضخ لهذه الضغوط ويقوم بفتح الحدود لهذا الاقتصاد، ولا يمكن أن يكرر هذه التجربة.
وأعتقد أن الحل في هذا السياق ليس بيد إسبانيا لمعالجة الأمر، لأنه لو تم المنع بشكل نهائي فإسبانيا تتكبد خسائر كبيرة، أو ربما ستحاول أن تستخدم هذا الأمر كورقة تبادلية مع المغرب، بمقابل قضية الصحراء أو الكف عن استفزازا المغرب في قضية الصحراء المغربية، أو ربما تضغط في اتجاه محاولة المرور بشكل تدريجي لحل الحدود، إلى حين إيجاد حدود جذرية للأزمة.
في اعتقادي الأزمة بين المغرب وإسبانيا حصلت أكثر من مرة، ولا يمكن أن يظل هذا التجافي والتباعد، لأنه لا يجب أن ننسى أن هناك ملفات مشتركة بين الجانبين، وتأجيل عقد قمة في الوقت الراهن لأسباب نحن نعلمها سياسية واقتصادية ومنها ما ذكرنا، بل وأن كل الدول تحاول أن تنكفئ على ذاتها لمعالجة القضايا الداخلية وخاصة مع أزمة كورونا.
ربما في فرصة قريبة للانفتاح الاقتصادي والسياسي سوف تنعقد هذه القمة، لأن الجارة الشمالية إسبانيا لها علاقات اقتصادية أساسية مع المغرب، ولا أظن أن الأمر سيطول، وأعتقد أن المغرب سيحاول بطريقة أو بأخرى استيعاب أزمة الاحتقان الاجتماعي في الفنيدق ومحاولة حلها عما قريب.