لماذا وإلى أين ؟

” عن التـــــربية و التعليم”

توالت الاحتفالات بمناسبة الأعياد المنوعة و الحفلات المبتدعة، لكن، ربما لم يسمع أحد بنبأ إعلان يوم من أيام الله عيدا للتعليم و تدريس العلوم، قد يكون مناسبة لمناقشة قضايا التربية و التعليم بالمغرب، لاسيما بعد توالي الإنتكاسات التي أصيب بها التعليم العمومي و انحدار رتبته إلى الدرك الأسفل بين أمم العالم، درك دفع متابعي الشأن التربوي بالبلد لنعت موضوع التعليم بلون قاتم السواد.

لقد اعتبرت تقارير رسمية أن واقع التربية و التعليم يؤكد أنه يرزح تحت نير مفارقات عملاقة، مفارقات تجعل المدرسة العمومية مجالا رحبا لإنفاق الأموال العامة و إنهاك خزينة الدولة، دون طائلٍ يُذكر مقابل هذا الإنفاق، إذ المفهوم من الحال أن الانفاق،  لا يعدو “عملية كبٍّ لِدِلاءِ الماء في صحراءَ قاحلةٍ”.

أبرز المفارقات التي رصدتها التقارير هي عدم الوضوح في برامج التربية و انعدام أي انسجام يطبع منظومة القيم المدرسية”، وهي تكشف، في واقع الأمر، مدى العشوائية التي تسود تدبير المسألة التعليمية و التربوية بالمغرب، ما يقتضي، بحكم المنطق السليم، مراجعة شـاملة تتسم بالعُمق في تحديد المرامي و الغايات و التعقل الاستراتيجي في رسم الأهداف و توظيف الوسائل الملائمة لبلوغها.

لعل كثيرا ممن عاصروا مقرراتٍ دراسيةً تضم  برامجها مؤلفات الراحل أحمد بوكماخ، يعتريهم الحنينٌ العارم للعودة إلى فصولهم الدراسية القديمة و الاستماع بانتباه مُكتسب لدروس يُلقيها معلِّمون أوتوا احتراماً غزيراً و سطوة لا تُضاهى .

لا يتساءل أكثر الناس عن السر في تجدد الحنين، في كل مُناسبة، للحديثٍ عن قضايا التربية و التعليم. و هل هو مجرد فعل “أخرق” يرتبط بسلوك نفسي معروف عن الإنسان العاشق للماضي ؟ أم أنه تعبير عن رفض ما آل إليه التعليم و انتهت إليه برامجه العشوائية؟

وهل هو تعبير، يستند في أحكامه  على عقد مقارنات محددة بين ماضي التعليم و حاضره ؟ مقارنات تهم موضوع البرامج الدراسية و أساليب التدريس،  و كفاءة المدرسين و انضباط المتمدرسين، و لا تُغْفِلُ أخلاقيات و قيم التربية.

لقد توارت عن الأنظار تلك الصورة المِثال التي بنتها الأجيال السابقة عن المدرسة و حُرمتها الأدبية، و رسمتها عيونُ الحالمين عن المعلم و عن مكانته الموقرة.

في الماضي، الجميل كما نراه دائماً، كان التلاميذ، بكل انتماءاتهم الطبقية و العرقية و الدينية، يجتمعون في انضباط عسكري أمام “ضابطٍ سامٍ” برتبة معلم، وبالطبع، لا يملك هؤلاء الجنود الصغار  غير الالتزام بقواعد التعلم الأساسية، قواعد لا وجود في قاموسها لمفردات كالمحاباة أو المجاملة أو التمييز بدافع ما اتفق على تسميته “دروساً خُصوصيّةً”.

الآن، يبدو أن الأمور تغيرت بشكل مثير للسخرية، تغيرات أصابت كل شيء، إذ صار هندام التلميذ، أقرب لصورة البهلوان منه لمظهر تلميذ، فالواحد يعتريه الإندهاش حين يرى واحدا من هؤلاء يرتدي سروالا يكشف أجزاء عريضة من مؤخرته و أطرافا من فخذيه و ساقيه، بل قد ترى أمامك واحدا ممن نظم في وصفهم  شاعر ساخر:

لا بـأس إن دخَـل الـمَـدارِسَ طـالـبٌ      بـسـيـجـارةٍ أو جــاءهــا مَـْـسـطــولا

أما المعلم، الذي شُبِّه يوما ما  بالرسول، فقد أضحى لا يعلم شيئا عن العلم و ضروبه، و لا يدرك مقدار ذرة عن التعليم أو عن فنون تلقينه، فهو مسطولٌ على الدوام و دائم الغياب، حتى إن أحد الساخرين نـظم في حال المــعلم قـائلا :

إنْ غـابَ شَـهْـراً فالغِـيـابُ فَضيـلَـة  ** و غَـدَا السُّـؤالُ عَـن الغِيـابِ فُضـولاً

لقد فسد التعليم، وهو فسادٌ يُنذر بأشد المخاطر، بالنظر لطبيعة المجال الذي لحقه، لكن مخاطر هذا الفساد تتضاعف آثاره المدمرة بالنسبة للبناء المجتمعي بمكوناته و أركانه، الاقتصادية منها  أو الثقافية و ربما حتى السياسية، وهذا هو الأخطر.

إن قلة من الناس من هم على بينة و دراية بحجم  كُلفة الإستثمار العمومي في مجال التعليم، إنه استثمار يسعى الجميع إلى مضاعفته بغية ضمان تعميم التدريس على الجميع، لكن الرفع من حجم الإستثمار لا يعني بالضرورة بلوغ الغاية المرجوة، فالاستثمار العمومي مجرد وسيلة، و الوسيلة وحدها لا تجدي نفعا إلا إذا واكبتها سياسة رشيدة و راشدة، سياسة تستهدف الرفع من كفاءة النظام التعليمي، على الأقل إلى الحدود التي تجعله يبرر تلك الإعتمادات الضخمة التي تصرفها عليه الخزينة العمومية، و إلا فما الداعي لهذا الإنفاق إذا لم يحقق الغايات المطلوبة ؟ و هل يجوز صرف الأموال العامة بالباطل الزهوق لمجرد تبرير أن الدولة تنفق على مرفق التعليم، أليس هذا مجرد لغْو مُكلِف لا يحل المأزق الذي يوجد فيه التعليم؟ “و ما هذا الغباء الشديد الذي إلى جنبه فطنة عجيبة، و  ما هذا السبب الذي خفي به الجليل الواضح و أدْرِكَ به الجليل الغامض” كما قال الجاحظ.

 

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
احمد
المعلق(ة)
28 ديسمبر 2022 13:59

تمنيت ان نحقق في التعليم يوما ما انجازا تاريخيا كالذي حققناه في مونديال قطر، فاصلاح التعليم يتطلب خطة عقلانية ترسم خطوطا حمراء لا يمكن تحاوزها بالسجالات السياسية والاديولوجية التي انهكت المنظومة بالاصلاحات التي طالت منظومة التعليم مند ندوة افران الاولى ولم يتحقق الى التراجع المخزي حتى الآن.

ايوب
المعلق(ة)
28 ديسمبر 2022 11:04

و الله كاتب المقال احتقر المعلم أكثر مما أصبح بفعل فاعل، فجعله لا يفقه شيئا، وجعله سببا في تدني التعليم و هذا باطل وجعل ألأستاذ دائم الغياب و عمم حالات خاصة على الجميع، فالأستاذ ينزل فقط ماتريد الوزارة تنزيله و ليس له يد فيما يقع و يطبق مذكرات ماتجود به الوزارة و مفتشوها التربويون، وما لم تعد الوزارة الهيبة للأستاذ و قيمته المجتمعية من خلال نسخ مذكرات “البستنة” و مذكرات الحزم مع المتعلمين، و الله ستظل دار لقمان على حالها.

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

2
0
أضف تعليقكx
()
x