2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]

- د. طارق ليساوي
وأنا اقوم بجرد لسنة 2022 و بخاصة ما قمت بعرضه لجمهور القراء من ” طنجة إلى جاكرتا” ، أجد نفسي قد بدأت مقالات 2022 بمقال له صلة بانتخابات شتتنبر 2021 و خرجاتها التي توجت بتنصيب حكومة أخنوش ” من الخيمة خرج مايل” و الذي حاولت من خلاله التنبيه إلى خطر تعيين حكومة ” الباطرونة” برئاسة أخنوش ، حكومة مشاهير ” إقتصاد الهمزة” و ” تجار الأزمات” و ” اثرياء الحروب” ، و الأيام و الشهور أكدت صدق ما نبهنا منه ، كما تناولت مأساة الطفل ريان رحمه الله، و التي واكبتها بسلسلة من المقالات التي طرحت فيها معنى ” الأوطان الحقة ” و ” الاوطان المزورة” ، و حاولت من خلالها تجاوز حدود المغرب ..
و هنا لا بد من العودة إلى مفتاح هذا الحدث و ايقونته ” الطفل ريان ” رحمه الله صانع الحدث ، و لكن في المقابل ” ذاك الرجل الشيخ “باعلي الصحراوي ” الذي قاد بخبرته و موارده البسيطة جهود الإنقاذ، غامر بنفسه و قدم أغلى ما يملك جهده لإنقاذ هذا الطفل من غياهب الجب، و قد توحد خلفه كل المغاربة و العرب و المسلمين ، بل الانسانية، و لن انسى دموع هذا الرجل و هو ممد على الارض لحظات قبل الاعلان عن إخراج الطفل إلى مثواه الأخير ، ووسائل الإعلام تتضارب اخبارها و “الحيرة” تراود الجميع ، هل سيعود الطفل ريان إلى عالمنا ، ام أنه سيرحل إلى عالم الغيب و الشهادة…منينا النفس بإمكانية إنقاذ هذا الطفل ، لكن رغم الفشل في إخراجه حي، لكن نجح المغاربة ، في إرسال رسالته الخفية إلى مشارق الأرض و مغاربها.. في هذه اللحظة الفارقة رأينا صور من التضامن و التآزر و التعاضد، أصبحت هذه المنطقة المنسية و التي لا تلقطها الاقمار الصناعية ، و لا يعرفها القاصي و الداني ، حديث كل بيت في كل مكان..رغم المأساة لكن إكتشفنا قيم النبل و الشهامة و الأمة الواحدة…اكتشفنا ” إنسانية الإنسان”..
” باعلي الصحراوي ” كان رجل المرحلة بدون منازع ، عبر عن حقيقة المغربي المسلم، المغربي المرابطي الموحدي…تدخل بمعرفته و خبرته و صلابته، لقيادة عملية الإنقاذ، في الوقت الذي عجزت الدولة بعتادها و رجالها في فك شفرة الأزمة، لم يستغل الأزمة لتحقيق مكسب شخصي و دون إدعاء زائف الوطنية.. نموذج “باعلي الصحراوي” نفتقده كثيرا في الشخصيات التي تدير السياسة و الاقتصاد و تتصدر الشأن العام …
حزنا و لم ننم طيلة الأيام التي قضاها ريان في حفرته، هذا الحدث أحزننا و أخرجنا من قوقعة الذاتية و الفردانية ، و أصبح همنا إنقاذ هذا الطفل..جبال بشرية تحركت لعين المكان و متطوعين حاولوا المجازفة لانتشال الطفل من محنته…رأينا شعب اخر و قيم أخرى أصبحت شبه غائبة، قيم نصرة الضعيف، و الدفاع عن حقه..
فكان من ثمار ذلك، ان العالم تعاطف مع الطفل ريان و اخد صورة مغايرة عن المغرب بلدا و شعبا..و لكن اشتغلت ايادي خفية و حاولت سرقة جهود الاخرين ، حاولت إنكار الايادي التي حفرت و خاطرت و إبعادها عن هذه الملحمة الشعبية بامتياز…
لكن ونحن على مشارف نهاية السنة يتكرر الحدث لكن بنسخة مغايرة عنوانها الفرح ، نهاية السنة ستشهد حدث افرح الملايين من المغاربة و العرب و المسلمين ، حدث الانجاز الكروي التاريخي الذي حققه المنتخب الوطني لكرة القدم بقيادة شخصية يصعب انكار دورها و محوريتها ” وليد الركراكي” ” ابن الشعب المغربي ” صناعة مغربية ، و الذي اعاد هندسة المنتخب و حوله بالفعل لفريق، لجسد واحد، لكتلة إنسانية متناغمة و متجانسة..و نجح بالتالي في إسعاد قلوب ارهقها الظلم و الغلاء و الفساد و الاحتكار و الفشل التنموي…و قد خصصت سلسلة من المقالات التي حاولت تقريب القارئ الكريم من دروس مونديال قطر 2022 و انتصاراته الحقيقية و الاخرى الوهمية..
و هذا الانجاز الذي تحقق في قطر كان مصحوبا بكرم رباني غير محدود، ففي لحظة قنط و ضنك شديد، أكرمنا المولى عز وجل بما هو أهم و أخطر ، أنقذنا المولى عز وجل من العطش و شح المياه، في وقت خيم شبح الجفاف، فكان فرج الله قريب و رحمته واسعة و كرمه جزيل، فهطلت امطار الخير بالقدر الكافي و الشافي ..فتغير الحال و المآل..و انقلب الضيق إلى سعة، و القنط إلى رحمة …
سنة 2022 كانت حبلى بالرسائل المشفرة، التي تستحق المزيد من الدراسة و التحليل، و لعل هذا الامر هو ما سأحاول إن شاء الله تعالى توضيحه من خلال سلسلة كتب سوف تصدر في ربيع السنة القادمة 2023 إن شاء الله ، و سيكون عنوانها الأكبر ” المجتمع الزكوي كبديل عن المجتمع الربوي..و إلى ذلك الحين نأمل أن تطلعوا على ثلاثية ” النموذج التنموي المنشود ” و أن تتقبلوها بقبول حسن ، خاصة و أن هذا الجهد المعرفي و الأكاديمي يستحق عناء القراءة …و أني على يقين تام ان ثلاثية ” النموذج التنموي المنشود” كتبت لتبقى شاهد على مرحلة، و دقت ناقوس الخطر للمخاطر مستقبلية، و لكن ايضا مبشرة بانتصارات حقيقية و لصعود حضاري و عدوى تنموية قادمة، و تغيير على الابواب فجره إقترب ، بدات ملا محه في التشكل منذ ربيع 2011 العربي الموؤود، و الذي تم تحويله لخريف .. “الثلاثية ” هدفها الأساسي فتح نقاش فكري و مجتمعي حول الخطوط و المحاور الأساسية الواردة ب ” الثلاثية ” محاور حبلى بالاقتراحات و الخيارات و البدائل التنموية و النهضوية و لعل هذا النقاش سنحاول ان شاء الله التوسع فيه من خلال منصة برنامج ” إقتصاد×سياسة” ..و الاهم الذي ركزت عليه ” الثلاثية” منذ لحظة طحن ” محسن فكري” و انفجار حراك الريف، هو ان القطيعة مع الظلم و الحكرة و بناء دولة الحق و القانون ، و توسيع خيارات الناس ، و اعتماد مبدأ التقنية العالمية و الروح الإسلامية المدخل الذي لا بديل عنه لتغيير اوضاعنا جميعا ، فالحلول الفردية انتهى زمانها و لا تغيير دون وحدة و تعاضد و تكتل ، و دون بحث عن القواسم المشتركة و ترك الخلافات الجزئية و الهامشية…و عندما ننتصر للمستضعفين و ندافع عن حقوقهم و ندافع عن من يدافع عنهم ،من المؤكد سيكون النصر حليف لهذا المجتمع التراحمي الزكوي…
كم “عاش الشعب” المغربي و باقي شعوب العالم مطلع سنة 2022 على وقع الإتهامات المتبادلة بين “أمريكا” و “الصين” حول منشأ فيروس “كورونا” و تداول الناس في مشارق الأرض و مغاربها، عشرات ” الأَطَارِيح” و ” النظريات” حول الغاية من كتم انفاس الإقتصاد العالمي بدعوى “محاربة الجائحة”، في الوقت الذي كُتِمَت فيه حقيقةً أنفاس المستضعفين بحجر صحي و معيشي…كما شهدت السنة اندلاع حرب محلية بتأثيرات كونية و اعني الحرب الروسية الأوكرانية ..
لكن أخطر ما أثار انتباهي في سنة 2022، الجوائح و الكوارث الطبيعية و التي تبقى إلى حدود الساعة ، أدهى و أمر و أشد خطرا على الوجود الإنساني ، منذ بدء الخَلِيقة ، و تقتل الملايين على بعد شهور و أعوام، تقتلهم رعبا و خوفا و قلقا و شكا..و هو ما يسود حاليا عالم الاقتصاد و السياسة، الكل يَتَوجَس خِيفَةً من اشتداد الأزمة بين الشرق و الغرب..و الكل يخشى “أزرار الدمار الشامل” و الانهيار الاقتصادي و المالي الساحق و الماحق..و الكل يبحث عن “طوق نجاة” و سيد جديد وولاء “لا تسقط له راية”..
يذكرني ما يجري اليوم بين “الصين” و “أمريكا” و حيرة “الأتباع ” بينهما، بحيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام، بين “الشمس” و “القمر” و أيهما أكبر.. أيهما يستحق الخضوع والإتباع..و كأنه لا مناص من الاختيار بين “الجنة” و “النار”، و أيهما ” الجنة” و أيهما ” النار” ؟ ويذكرني هذا الاختيار الصعب بما سيقع للعالمين جميعا ساعة خروج “الدجال”..في مثل هذه الأوضاع الصعبة و ” المَأزقية” نحتاج إلى بصيرة ربانية للخلوص إلى ” الطريق الثالث” بعيدا عن الإصطفافات السياسية التقليدية ، و إلى نموذج تنموي و حضاري نصوغه بأيدينا، و نصل إليه بخالص قناعاتنا، و ندحر به أعداء الله و أعدائنا.. لكن للمرحلة الانتقالية شروطها و محدداتها و مساراتها و حججها..أي أننا في حاجة لمقارعة ” النمرود” و أتباعه، أي أن هناك قوى سياسية و اقتصادية “خَامِدَة” تنتظر فرصة سقوط الكبار أو تناطحهما (الصين و أمريكا)، لفرض أجندة جديدة قد تكون أشد هلاكا و خرابا و إستعبادا من ” الأمركة” أو ” الأصينة”..
و في هذه المرحلة الانتقالية العصيبة التي ستشهد ” فراغ الأسواق” و “سقوط العملات” و “تفكك الاتحادات” ، و ” تعدد الجوائح” و عودة القديم منها ( الكوليرا مثلا)..العالم على أبواب متتالية من الفوضى و الأزمات..و تقهقر بإتجاه ” القطرية” و المصالح الضيقة كرها لا طوعا، خاصة في ظل كوارث بيئية و مناخية قادمة لا محالة..
فالكوارث المرتبطة بالمناخ و الطقس، تزايدت بمعدل 5 أضعاف خلال الخمسين سنة الأخيرة، مُخَلِفَة خسائر بشرية و اقتصادية بيئية غير مسبوقة (موجة الحرائق و العواصف و الجفاف و الفياضانات و ” التطرف الحراري” ) و قدرت الخسائر الاقتصادية -المباشرة و غير المباشرة- بتريليونات الدولارات..
و قد حاولت من خلال “ثلاثية” النموذج التنموي المنشود، و التي تعنى بالنموذج التنموي “محليا” و “إقليميا” و “دوليا”، تصورا شاملا غيْر هَامِل لأبعاد التنمية و مُصَحِح للتصورات التنموية الخاطئة ، المُعْتَمَدة من قبل الشرق و الغرب ، و لا بديل لأمة العرب و المسلمين و مستضعفي العالم من اعتماد نموذج تنموي “أصيل” غير دخيل ، غايته سعادة و سلامة الإنسان و حفظ أمنه الطبيعي و المعرفي، فضلا عن أمنه السياسي و الاقتصادي و صدق الله تعالى عندما قال في محكم كتابه : {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَـٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} {قريش3-4}…
هذه المحاور تشكل خارطة طريق لكتاباتي في السنة القادمة ان شاء الله تعالى، سنة نأمل أن تكون سنة التغيير و العودة إلى الحق و ردم هوة الخلافات المحلية و الاقليمية ، سنة تخرج فيها الأمة العربية والإسلامية من غثائيتها و تنتقل من حالة الضنك إلى السعة..و من المجتمع الربوي إلى المجتمع الزكوي ، الذي أصبح يشكل هاجس الكاتب و يسعى جاهدا لجعله مشروع حضاري موضع نقاش عام و متعدد الاطراف ..لذلك لا تنسونا من دعواتكم و دعمكم و لو بنشر هذا العلم، الذي نأمل أن يكون علما نافعا للأمة و ابناءها حاضرا و مستقبلا…و الله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون..
– إعلامي و أكاديمي
الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.