2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
من أجل ثورة ثقافية

من الأسئلة التي قضّت مضجعي حينما تحركت شعوب شمال إفريقيا والشرق الأوسط، تنتفض ضد أوضاعها الاجتماعية والسياسية المحتقنة، ما العمل بعدها؟ هل تكفي إزاحة حاكم واستبداله بآخر كي تستقيم الأمور؟ وهل باستبداله تذوي منظومة وتمّحي ثقافة تفرز الاستكانة والظلم والاستبداد؟ كيف يزول ما عانت منه الشعوب، ويتحقق ما كانت إليه تهفو؟
تفيد قراءة تواريخ أمم عرفت شعوبها انتفاضات ضد أوضاع جامدة، كيف التفّت طغمات عليها، مثل سابقة فرنسا حين قامت ثورة 1848 من قِبل العمال، وتم الالتفاف عليها من خلال تحالف أصحاب المال والدولة، ومن ثمة إجهاض حلم الشعوب، وهو ما ألهم كارل ماركس واحدا من كتبه التي تُعد مرجعا في العلوم السياسية «18 برومور».
كنت أستحضر هذه السابقة، في معمعان الحراك وتبدّى، عقبها، أن ما كان تخوفا صار حقيقة. بدّل الاستبداد قشرته بدون أن يبدّل جوهره وغدا مثلما ينعته البعض بالاستبداد الناعم، في أحسن الأحوال، إن لم يجنح في حالات أخرى إلى الاستبداد الفج.
الاستبداد لا يقوم ولا يستفحل إلا لأن هناك أرضية تسمح له بالبروز، أو مثلما قال لا بويسي، الذي كان صديق الأديب الفرنسي مونتني (القرن السادس عشر)، في كتيب صغير الحجم، عميم الفائدة «الاستبداد الطوعي»، إن الذي يدفع إلى الاستبداد هو شعور الخوف لدى الشعوب والنزوع للكسل، وسعيها إلى البحث عن حام أو وصي. وبتعبير آخر، هي لن تتخلص من الاستبداد ما لم تبرأ من الأسباب الدافعة إليه وهما، الخوف والاستكانة. وهو الأمر الذي يفترض تغيير البنية الذهنية، أو ما قد يسميه البعض بالثورة الثقافية.
نعلم أن مصطلح الثورة الثقافية يعود بالأساس إلى الصين، في ظرفية خاصة، وقد أخفقت الصين في التأثر بنموذج الاتحاد السوفييتي في التصنيع، أو ما سمي بالوثبة الكبرى إلى الأمام، ما أفضى إلى ضعف الإنتاج الفلاحي وتفشي المجاعة. كان من الضروري الانطلاق من واقع الصين باعتبارها بلدا زراعيا أولا، وثانيا من طبيعة الثقافة الصينية، التي كان قد نعتها ماوتسي تونغ بكونها دوغمائية. لكن الطريف، ولربما بيت القصيد، أن ماوتسي تونغ وظّف القديم ليبني الجديد. استنجد بروح التراث التي اعتبرها أصل الداء، من أجل الانتقال من طور إلى طور. هناك مقولة مأثورة للحكيم لا تسو، «إن المعلم الجيد، هو الذي يُعلم الجديد انطلاقا من القديم». ليست الثورة الثقافية في الصين إلا تحيين جوهر الكونفشيوسية.
لربما نحن أمام شيء مناف للفكر الغربي، الذي يقوم على الديالكتيك، أو التفاعل بين نقيضين، على خلاف الفكر الصيني، والذهنية الشرقية عموما، التي تقوم على الانسجام، أو ما يسميه الصينيون بالين واليان. يمكن أن نلحظ كيف وُفقت الصين في التعايش مع منظومة شيوعية سياسيا، ومنظومة رأسمالية اقتصاديا، مما لم يتوفق فيه الاتحاد السوفييتي، الذي ظل حبيس القوالب الغربية، فانهار.
لا بد أن نستحضر السياق الذي خاضته الصين في ثورتها الثقافية، سواء الداخلي، بفشل الوثبة الكبرى إلى الأمام، أو العالمي بدعوة الأممية الاشتراكية إلى مسح الطاولة، والقطع مع الماضي. كيف يمكن التوفيق بين دعوة تدعو إلى القطع النهائي، وأخرى تتوسل بقالب الماضي؟ هناك تناقض بيّن، لكن الفكر الصيني لم يكن يتأذى من التناقض، ويميز بين التناقض الإيجابي والآخر السلبي.
في سياق ما بعد 67، ظل الفكر في العالم العربي متأرجحا بين الدعوة للعودة إلى التراث، وهو ما كان يجلّيه شعار «الإسلام هو الحل»، وبين القطع معه تماما. ظل موزعا بين هذه الثنائية، أو القطبية، ولم يظهر ما قد يطابق الثورة الثقافية الصينية، أي التوفيق الإيجابي لوضعين، بناء الجديد انطلاقا من القديم.
العبرة بالنتيجة، الصين نجحت وليست هناك تجربة ناجحة في العالم العربي زاوجت بين معانقة العصر أو التحديث، انطلاقا من الذات، أو بناء الجديد بالمواد المتاحة التي تصقل وتعاد، وهو الأمر الذي يفترض صياغة تصور، من دونه لن يكون هناك طموح جماعي ولا تعبئة جماعية. لا يمكن للشعوب أن تُعبّأ في غياب طموح جماعي وقيادات تحمل هذا الطموح وتجسده. ولا يمكن أن تقوم تعبئة جماعية في ظل فوارق صارخة بين الفئات الاجتماعية، ولعل ما يعبر عن ذلك ما قاله متظاهر في ميدان التحرير في عز «الربيع العربي» لقناة سي إن إن، «أشعر الآن بأنني مصري». استعاد شعوره بالانتماء حينما استحثه طموح جماعي، حينا رأى جموعا من مختلف الأطياف منصهرة، وكان قبلها ينوء تحت أوضاع اجتماعية أجهزت على كل انتماء، وكل طموح جماعي.
ليست هناك تجربة واحدة لدولة تقدمت من خلال وصفات تدبيرية، من لدن مؤسسات مالية، في حين أن التجارب التي نقلت مجتمعاتها من طور إلى طور هي تلك التي قامت فيها ثورة ثقافية، ومنها تلك التي كانت أوضاعها قريبة من أوضاع العالم العربي، من تركيا، أو كوريا، أو الصين، وتعرضت إلى محن وأخطار الاندثار، فضلا عن التوزع والفقر والمجاعة.
إن الثورة الثقافية ترسم هدفا، وتنطلق من الذات، وتمد جسرا ما بين نقطة الانطلاقة والهدف، من خلال التصويب، أو البراكسيس. ليس هناك حل سحري، أو وصفات جاهزة، وإنما جهد مستمر، من مختلف القوى التي يستحثها طموح جماعي، وتراهن بالأساس على التربية، أو ما يسميه البعض ببناء إنسان جديد. وشتّان ما بين بناء الإنسان، وبناء الأشياء.