2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]

الكاتب: لحسن أمرير
في ليلة باردة، وأنا أطرب السمع وأغذي الروح بأغنية “إموت ابليس” للفنانة المقتدرة فاطمة تباعمرانت، محاولا شرح المستغلق من غوامض لفظها، والتلذذَ بفك شفرات معاني أشطرها الشعرية، لأجدني وسط جنانٍ مخضبةٍ بالفصاحة والبيان، والكلام البليغ المعطر بأريج النَّفس الطيب في كل تلاوة. بلغتني رسالة رقمية من “الواتساب”، وحين فتحتها واطلعت على محتواها، وجدت أن مهرجا، يدعي الاستقامة، يعظ أتباعه ويخطب فيهم، وينير طريقهم ويرشدهم إلى الطريق القويم! وعلى ملامحه أمارات الخوف والتهكم، قلت في نفسي خيرا؛ لعل الرجل يصرخ ويزمجر لغرض له أهميته في حياة المغاربة، أو أن حنجرته تهُزُّ جدران مجلسه دفاعا عن حق مسلوب أو نقدا لتصرف مرفوض، إلا أن ظني خاب بعدما تناهى إلي أن هذا الرجل، الذي يدعي الصفاء وفمه يلفظ القبح، قد انقض على رقبة الفنانة والمناضلة والشاعرة الأمازيغية، الغنية عن التعريف والمدح، السيدة فاطمة تبعمرانت، ورماها بالإساءة والتشهير؛ ما يفعل أراذل الناس. لقد تناسى أبو تيلاس أن لهذه المرأة وزنها وثقلها وحضورها في الساحة الثقافية الوطنية والإفريقية والعالمية، جعلت الموسيقى بلغتها الأم وسيلة صادقة تناضل بها عن هويتها وتاريخها وواقعها.
هجوم أبو تيلاس على الفنانة فاطمة تبعمرانت، بهذه الطريقة الهمجية التي تحيلنا على العصور المظلمة، تحط من كرامتها الآدمية، همزا ولمزا بصنوف غريبة من ألقاب القدح التي حرمها الشرع، ويُظهر للقاصي والداني أن للشيخ الرقمي حسابات عدائية أيديولوجية دفينة ضد المرأة أولا، فالفن ثانيا، ثم أخيرا ضد قيم الحرية والتعايش والمحبة والسلام..
أن تُحرِّمَ الفن أو الرياضة في زمن الاقتصاديات السائلة والسلع العابرة للقارات والرساميل اللامادية المتعددة، التي أكد على أهميتها في بناء الوطن ملك البلاد محمد السادس، في خطبه السامية، يعني ببساطة أنك تعيش خارج التاريخ وخارج الوطن.
خلافنا مع أصحاب العقول المشرقية، وإن كانوا يرتدون جلابيب مغربية ويتكلمون ألسنة مغربية، ليس خلافا بسيطا حول فروع فقهية، بل هو اختلاف بنيوي متجدر، نتعارض ونتصادم معهم في كل شيء: في العقيدة والعبادة والسلوك وفلسفة الحياة… إن زوايا نظرنا مختلفة اختلافا جوهريا، ولا سبيل لتقريبها، مادام هؤلاء يرفضون الرأي الآخر، ويعتبرون حاملَه عدوا وجب وأده. نختلف معهم في كل شيء تقريبا؛ بدءا بنظرتنا للخالق وللدين وللحياة وللآخر المختلف وللمصير…
وردا على هؤلاء المتيمين بالمشرق، الرافضين الافتخار بمغربيتهم، أقول إن الإسلام المغربي الذي وجدنا عليه أجدادنا، لم يُكِن أبدا أية عداوة للفن الملتزم بقضايا المجتمع، بل كانت قيم الدين السامية حاضرة في جميع أشعارهم وأغانيهم. كما هو الشأن في أغاني الفنانة تابعمرانت، التي غنت غير ما مرة لحب الله وكتابه ونبيه والوالدين والفقهاء والصالحين، ورغبت الناس في فعل الخير ونفع بعضم. ولم تُحرض أبدا على منكر، ولم تدع يوما إلى الفتنة والتفرقة، ولم تخُض في عرض أحد، بل وهبت كلماتها الخالدة وربابها الفضي الساحر وحنجرتها الذهبية في سبيل الدفاع عن الرأسمال المادي والرمزي للإنسان الأمازيغي عامة، والمغربي خاصة.
* مسألة في غاية الأهمية لم ينتبه إليها إلا القليل، في الاعتداء الغاشم على القديسة فاطمة، ألا وهي السياق والظرفية التي استغلها بذكاء ماكر هذا الشيخ الرقمي، وهي وفاة ابنة الفنانة في ريعان شبابها. فكل من له ذرة عقل وإيمان وإنسانية، سيراعي حالتها النفسية التي تحتاج إلى دعم ومواساة ودعاء. لكن صاحبنا استغل حالتها تلك، ليوجه ضربة قاضية بسلاحه الفتاك – لسانه السليط – صوب امرأة في عمر أمه، متلذذا بتقطيع قلبها وحرق كبدها، والرقص على جرحها.
الحقيقة الواضحة التي ينبغي أن يقتنع بها أهل سوس، هي أن أبا تيلاس، في مهمة رسمية يخوضها بالوكالة ليحارب كل قيم الجمال، ولن يهدأ له بال حتى يبيد كل تجلياته في حياتهم. يكفي أن يمتلك الشخص مبادئ تحليل الخطاب، ليستنتج أن الشيخ يمارس دعوة سياسية مكتلمة الأركان، مغلفة بخطاب ديني ممتع جدا يدغدغ العواطف ويجيش المشاعر، ويحرم على الناس التفكير والاقتراب من العقل، لأنه عدوه اللذوذ، ما يثير في أتباعه شعور الكره والضغينة لكل ناقد لكلامه، لقد بلغوا به ما يفوق القداسة وأصبح في نظرهم رمزا دينيا.
الدعوة إلى الحق، لا تقبل إلا إذا قيلت برفق ورحمة وإحسان، وفهم الدين لا يكون إلا بقواعد أصولية علمية منضبطة لخصائص المذهب الرسمي للبلد. مع مراعاة مآلات الأحكام، وواقع الناس وقراءة وتحليل كل الأنساق الثقافية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية لمجتمعهم. ولن يفهم الشيخ هذه الأمور الضرورية إلا حين يتواضع، ويفتح كتب الثقافة والسياسة والفكر والتاريخ والفلسفة واللغة…
للشيخ دعوات مشهورة على ألسنة الناس، منها “أد إرار ربي الأمة س أغاراس”، وهنا أريد أسأله عن الطريق/أغراس التي يريد أن يسلكها بنا، هو لا يريد الطريق التي ينيرها لنا فقهاؤنا، ويبينون لنا معالمها، يأكلون مع المكلوم صدقة على فقيدهم، ويجلسون لتلاوة كتاب ربهم جماعة يؤازر بعضهم بعضا، كما يفعلون في أعمالهم اليومية” تيويزي”، ويسامرون العوام في “أبراز ن أومارگ” ويتفاعلون مع فنانيهم في رقصاتهم (أحواش – درست) الذي يفيض جمالا ومتعة، لأنهم – أي فقهاء سوس – يدركون بفطرتهم وعقولهم أن الإنسان الأمازيغي السوسي له عرف أقره الشرع، وفلسفة خاصة في الحياة صنعها منذ الآف السنين، لم تصطدم بالإسلام منذ أن اعتنقته.
“ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة “خلق الله خلقه، مختلفين جنسا ولونا ولسانا وعقلا وفكرا… وجعل الحياة مزركشة بألوان الطيف تسر الناظرين، فالتمايز والتنوع ناموس الوجود، ولن يصلح وجود المخلوقات إلا به. لكن منطق أبي تيلاس يقول لنا العكس، فالرجل الثرثار يحلم ويصرخ ليل نهار، لينمّط إمازيغن ن سوس، في قوالب “مُفَخنَنَة” متشابهة جاهزة، أرسلت له من ولاية قندهار.
هذا الكلام لا أبتغي به شهرة ولا سمعة، بل أراه رسالة ضرورية يجب أن تقال، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، من خيراتنا اللامادية التي بدأت تنقرض وتختفي في غابة “تيلاس ن بو تيلاس” ، وأخاف أن نستيقظ يوما، ونجد جماعات طالبان تستعد لبناء دويلة سوسية أفغانية. على أنقاض حضارتنا.
الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.
نعم هناك اسلام وهابي و اسلام اخواني و و و هناك اسلام مغربي و سطي معتدل ..
هل ربنا عاجز عن انزال العقاب، حتى يحل بوزبال مكانه، هذا ما افهمه من الرقاة والدعاة.
هرطقات:
أغلب ما ورد لمقال الكاتب لا يخرج عن كونه نوعا من الهرطقات…لماذا؟بداية ليس هناك اسلام مغربي،فالاسلام اسلام أينما وجد…طبعا هناك اختلافات تأسست بين المذاهب الكبرى وهي لا تتعلق باصول الدين بل بفروعه وبعض تطبيقاته حسب واقع كل بلد…وبلدنا يعلن بأنه يتبع مذهب امام دار الهجرة مالك بن انس،هذاةعلى الصعيد الرسمي،لكن في الواقع لا يأخذ من مذهب مالك الا القشور،فبالرجوع الى أسس المذهب فإن مالك رحمه الله تعالى سيتبرأ من رسميينا ان كان يعيش بيننا…فماذا يقول مالك عن شرب الخمر والسفور واكل أموال الناس بالباطل وترك الصلاة الارتقاء…الخ…السيد قال ما قال انطلاقا من قواعد الشرع وليس من رأيه الشخصي،فمن يتصدى للرد عليه وجب أن يكون رده من داخل تلك القواعد ويفند رأيه بالحجة والدليل الشرعي الفتاوى العلماء ببلدنا قديما وحديثا…الهرطقة لا تستقيم منطقتي وعقلا وشرعا…