2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]

* ذ.عبد الله إكي
تعاني مؤسستنا التعليمية اليوم اكثر من ذِي قبل صراع الوجود والهوية امام مؤسسات اجتماعية وتربوية جديدة، وبدأت تفقد شيئا فشيئا مكانتها ورمزيتها بَلْ أصبحت تعاني الرفض والاهمال حَتَّى من قبل منتسبيها، وَفِي نظر منتقديها مدرستنا لَا تساير الواقع الاجتماعي الجديد وَلَا تحفز عَلَى الاداء الجيد وَلَا تحمل الآمال العريضة الَّتِي يسعى مجتمعنا إِلَى بلوغها.
متطلبات سوق العمل وحياتنا اليوم بِمَا فِيهَا من تقدم علمي وتكنولوجي فائق النوعية تفرض عَلَى النظام التربوي رفع التحدي وتحقيق الجودة التعليمية، فِي حين ان القيم والمعايير الَّتِي تلقنها للناشئة متخلفة عَنْ القيم والمعايير الحديثة الَّتِي اصبحت تسيطر عَلَى المجتمع الجديد.
لَمْ تعد مدرستنا مؤسسة للتنشئة الاجتماعية وَلَكِن مؤسسة للإحباط تزرع الفشل والياس والاعاقة الاجتماعية والنفسية، برامجها ومناهجها وطرق تدريسها واساليب تسييرها عقيمة ومتقادمة، وفاعلوها التربويين فِي حاجة إِلَى تحفيز وتكوين وتأهيل وتجديد فِي المعارف والخبرات، فطالتها الاتهامات والانتقادات من كل فج عميق، وكثر النقد والانتقاد فضلت طرقها وتاهت فِي العشوائية والتقليد الاعمى.
حَتَّى جاءت مشاريع تربوية عديدة لإصلاح المنظومة التربوية لَا نقادها من السكتة المميتة وبخاصة مشاريع مثل الميثاق الوطني للتربية والتَّكْوين، والرؤية الاستراتيجية للإصلاح(2015-2030)، ومشروع قانون الاطار 17-51 وَهِيَ كلها مشاريع تربوية بنيت وفق رؤية حداثية تتوخى تأصيل ثقافة الجودة والمساواة وتكافؤ الفرص والتخليق وربط التغيير بالمتعلم الَّذِي هُوَ عصب التنمية المستديمة والمندمجة.
لكن بعد مرور اكثر من عقدين عَلَى بداية انطلاق اولى هَذِهِ المشاريع لَا يزال المهتمون والمتابعون لقضايا التربية يقرون بِعَدَمِ نجاعة هَذِهِ الاصلاحات و الفشل فِي تحقيق الهدف الاسمى المتمثل فِي الارتقاء بالفرد وتقدم المجتمع والسير فِي طريق مغاير لمسيرة المدرسة المغربية وجعلها تبتعد عَنْ مقومات مجتمعنا وخصوصياته الثقافية والحضارية بحجة الانفتاح عَلَى العالم ومسايرة العصر رغم ان الغاية من كل اصلاح تَرْبَوِي هُوَ حدوث تَغْيير ايجابي وتطور فِي مُسْتَوَى الاداء المدرسي وقيمة المعارف والمهارات المبرمجة للتعلم وَفِي اساليب التسيير والتنظيم.
كَانَ اهتمام المشاريع الاصلاحية قائما حول موضوع الجودة فِي التربية بصفتها المدخل الانسب لتحديث هَذِهِ المنظومة خاصة وان التغيرات المتوقعة فِي عصر العولمة تتطلب تغيرات فِي فلسفة التربية وسياساتها ومناهجها واساليبها التربوية كَمَا ان الوعي بالدور الخطير الَّذِي تلعبه التربية فِي عصر الثورة الاعلامية يزيد من قناعة التربويين وغيرهم بان التربية هِيَ المشكلة وَهِيَ الحل فِي نفس الان !!! وَلَا سبيل لَهَا غير تبني الجودة، والجودة (هِيَ تنمية القدرات الابداعية وتحقيق التنمية البشرية، وَهِيَ حصيلة و مجهود كل الفاعلين التربويين لأجل انتاج خدمات تربوية جيدة لزبنائها وروادها – المتعلمون-) عَنْ منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة(يونيسكو).
ان جوهر وغاية هَذِهِ المشاريع هُوَ ارساء مدرسة جديدة مفتوحة امام الجميع تتوخى تأهيل الرأسمال البشري مستندة إِلَى الجودة فِي التدبير والتسيير فَهَلْ يمكن القول ان مدرستنا نجحت فِي تحقيق جودة مخرجاتها الَّتِي تَتَمَثَلُ فِي متعلمين مؤهلين يمتلكون مهارات فِي شتى المجالات وقادرين عَلَى المنافسة والحصول عَلَى الفرص التعليمية والوظيفية؟ وهل يمكن القول ان ادارتنا التربوية تفوقت عَلَى عجزها و بيروقراطيتها واصبحت ادارة تربوية جيدة وحداثية ذات تدبير ناجع وتتلاءم باستمرار مَعَ مستجدات العصر ومستلزمات الاصلاح المتواصل؟
إِذَا كَانَت كل المقاربات الَّتِي تمَّ تبنيها فِي كل مرحلة من مراحل “الاصلاح” السابقة لَمْ تبدع فِي برامجها ومناهجها وطرق تدريسها وممارساتها الادارية التربوية، فلانها اكتفت باستنساخ التجارب التربوية الاجنبية، واعتنت بالشهادة لَا بالكفاية، وارتبطت بالكم لَا بالكيف، واهملت حقوق موظفيها، واخفقت فِي اعداد قيادات ادارية تربوية قادرة عَلَى تحقيق التغيير المنشود، وفشلت فِي تحقيق مبدا تكافؤ الفرص التعليمية وبقيت حبيسة تعدد مسارات التَّعْلِيم وازدواجية تربوية فِي تعليم النخبة وتعليم العامة …
لكن هَذِهِ الوضعية المتأزمة لنظامنا التعليمي لَا يمكن ان تتحمل وزرها المدرسة بمفردها لان العملية التعلمية عملية تشاركية بَيْنَ عدة اطراف وشركاء وما المدرسة إلَّا المحور الفعال فِي العملية، وهنا حق لنا ان نتساءل أَيْنَ دور المجتمع فِي ترقية المدرسة والرقي بأدائها ؟ وهل يصنف مجتمعنا التربية حاجة ملحة من حاجاته؟ وهل التأم كل فئات المجتمع وشرائحه فِي صفوف متراصة للمطالبة بتعليم ذِي نوعية جديدة لفلذات اكبادهم؟ ثُمَّ لِمَاذَا فَقَطْ التربية – بِكُلِّ اصنافها- فِي مهب الريح وواجهة الاعصار دون غيرها من القطاعات؟؟؟
لأجل ارساء مدرسة جديدة مفتوحة امام الجميع، ولأجل اكساب المتعلم المهارات والكفايات اللازمة الَّتِي تمكنه من الانفتاح، ولأجل الرفع من نجاعة اداء الفاعلين التربويين، ولأجل حكامة تقوم عَلَى روح التغيير والتجديد والملاءمة المستمرة مَعَ مستجدات العصر ومستلزمات الاصلاح، لابد من اعطاء الاولوية للدور الوظيفي للإدارة التربوية ضمن ورشات الاصلاح الاداري بالوظيفة العمومية والوظيفية التعليمية مَعَ الارتقاء بِمَهَام الادارة التربوية والرفع من ادائها فِي شقيها القانوني التنظيمي والتربوي المعرفي… يتبع
الآراء المذكورة في المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.