لماذا وإلى أين ؟

“بـــوح الذاكرة و إشهاد الوثيقة”..بيّاض ينبشُ في مذكرات بودرقة

آشكاين من الرباط

الفاعل السياسي والحقوقي امبارك بودرقة (عباس) خصص حيزا مهما من وقته، منذ حوالي سبع سنوات،  للإسهام في حفظ الذاكرة المغربية في أبعادها المختلفة:  ذاكرة الصحافة المغربية، أولا عبر تجميعه وإصداره لتراث الصحافي والكاتب المغربي الكبير محمد باهي حرمة (رسالة باريس، يموت الحالم ولا يموت الحلم) سنة 2016، ثم ذاكرة العدالة الانتقالية، بعد أن أصدر سنة 2017 مع الأستاذ أحمد شوقي بنيوب كتاب “كذلك كان”، الذي دون معطيات مهمة عن تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، ليتفرغ بعد ذلك لإقناع المرحوم الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي بإصدار مذكراته، التي نشرها سنة 2018 تحت عنوان “أحاديث في ما جرى”، وينتهي إلى الدخول في تجربة غير مسبوقة في تاريخ المذكرات بالمغرب، بنشره للجزء الأول من مذكراته سنة 2020 تحت عنوان “بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة، أحداث 3 مارس 1973″، حيث حكي الذاكرة جاء مسنودا بإشهاد الوثائق وتأطير المؤرخ.

ضمن هذا المسار، يستكمل عباس بودرقة هذه السنة ورش نشر تراث صديقيه الباهي بإصدار الجزء السابع من منجزه الإعلامي الموسوم بـ”يموت الحالم ولا يموت حلمه”، بعد أن أصدر السنة الماضية جزءه السادس. كما  يعود بالتوزاي مع ذلك إلى فتح حيز جديد من خزان ذاكرته ومَحافظ أرشيفه أمام المؤرخ الطيب بياض، ليتابع معه تجربة كانا قد دشناها معا بحفظ ذاكرة أحداث 3مارس 1973 ، كعنوان فرعي لمشروع ذاكري اختارا له عنوانا رئيسيا ثابتا (بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة).

تغير العنوان الفرعي هذه المرة، فعكس موضوع اشتغالهما الجديد: “من حلم الثورة إلى فضاء حقوق الإنسان”. مما يعني أننا أمام الجزء الثاني من مشروع ذاكري غير مسبوق في المغرب، حيث الذاكرة مسنودة بإشهاد الوثيقة وتأطير المؤرخ. وبعد أن توقفا في الجزء الأول من بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة  عند تجربة (عباس) امبارك بودرقة داخل التنظيم السري والاختيار الثوري وعلاقته في الداخل مع عمر دهكون وفي الخارج مع الفقيه البصري ، وظروف تبني خيار العمل المسلح وتداعياته، يلتقي صاحب الذاكرة مع المؤرخ هذه المرة في الجزء الثاني من هذا المشروع لتتبع سياقات انتقال الفاعل السياسي نفسه من حلم الثورة إلى فضاء حقوق الإنسان.

يتعلق الأمر بمسعى تتبع مسيرة من النضال الحقوقي، ناهزت نصف قرن من الحضور المتنوع في محطات متعددة سواء خلال فترة المنفى بالخارج: جمعية أقارب وأصدقاء مجهولي المصير بالمغرب، الجمعية العربية لحقوق الإنسان، المنظمة العربية لحقوق الإنسان، تجمع المنفيين المغاربة في فرنسا، نداء من أجل عودة أبراهام السرفاتي، جمعية وصل..، أو بعد عودته إلى المغرب يوم 24 مارس سنة 2001 التي أنهت ثمان وعشرين سنة من المنفى، سواء داخل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان أو داخل هيأة الإنصاف والمصالحة.  مسيرة خلفت رصيدا ثريا من الوثائق، أزيد من نصف صفحات الكتاب، حضرت فيه بصفتها شاهدا على بوح الذاكرة.

اختار المؤرخ الطيب بياض في هذه التجربة الثانية مع عباس، إلى جانب تأطير ذاكرة الفاعل الحقوقي امبارك بودرقة ومحاورتها، أن يخص هذا الكتاب بتأطير من نوع خاص في شكل تقديم مطول حضر فيه البُعد النظري إلى جانب التدقيق المنهجي والمعالجة المعرفية بغرض تجاوز عناصر التعقيد وإجلاء الالتباس الذي يسم ثلاثية: التاريخ الراهن والذاكرة وحقوق الإنسان، وانتهى في خاتمته إلى القول: “يتيح تتبع تجربة عباس الحقوقية الإطلالة على سفوح ظلت ظليلة من ذاكرة المغرب الراهن في علاقتها بحقوق الانسان، بعد أن غشتها شعارات العَمَلين السياسي والمسلح.

يظهر الفعل الحقوقي في البداية ثاويا في خلفية هذه اللوحة التي رسمت معالم المسار السياسي لمناضل اتحادي خبر السلاح والتنظيم السري والاختيار الثوري، وتدريجيا يحتل نضاله الحقوقي واجهة اللوحة.

لعل ما يميز بوح الحقوقي امبارك بودرقة (عباس) وهو يتحدث في هذا الكتاب عن تجربته الحقوقية بتقاطعاتها المتعددة، أنه جاء مسنودا بإشهاد الوثائق، كما حصل مع تجربته في الحكي عن أحداث 3 مارس 1973. مما يعني ترسيخا لنمط جديد في كتابة المذكرات في المغرب، يُلزم الذاكرة بالتزود بالبراهين والحجج التي تثبت صدقية حكيها، قبل ولوج مختبر المؤرخ بغرض التأطير، في أفق إنتاج ذاكرة تاريخية تحظى بالمصداقية”.

بينما خلص صاحب الذاكرة  إلى استشراف الأفق في تفاعله مع السؤال الأخير الذي ختم به المؤرخ حوراه، حول واقع حقوق الإنسان راهناً في المغرب بين الأمس واليوم، إبالقول:  “لعل المحدد في توسيع مساحة حقوق الإنسان في بلادنا أكثر يقوم اليوم على ثلاث دعامات أساسية:

أولا: الاستبطان الفردي والجماعي لثقافة حقوق الإنسان، بما يتطلبه من إرادة القطع مع الأساليب النمطية في النظر إلى قضايا حقوق الإنسان بمنظار السياسي والإيديولوجي، أو توظيفها بشكل فج في مشاريع أبعد ما تكون عن قِيم حقوق الإنسان.

ثانيا: إدراج حقوق الإنسان بشكل مكثف ومنهجي في برامج التعليم والإعلام؛ ذلك أن التنشئة على قيمها وحضورها بشكل بيداغوجي سليم في المقررات والمناهج الدراسية، وتخصيص مساحة محترمة من البرامج الإعلامية لقضاياها، هو ما سيمكن من تملُّكها من طرف المجتمع، عوض طابعها النخبوي الذي لا يسعف في ترسيخها كثقافة في حياتنا اليومية.

ثالثا وأخيرا: الإدراك العميق أن حقوق الإنسان بالنسبة للدول ليس مجرد ترف زائد، ولا مجاراة لرقابة المنظمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان اتقاء لانتقادات تقاريرها وتداعياتها، بل هي المدخل النوعي والسليم لبناء أسس الدولة القوية.

أثبت التجارب الكونية أن الدول التي راهنت على تقوية ذاتها عبر أجهزتها وبرامجها الفوقية فقط، انتهت إلى الاهتزاز والسقوط كأوراق الخريف مع الرياح، كتلك التي شهدها العالم العربي في السنوات الأخيرة. وبالمقابل أكدت سُنن الكون وعِبر التاريخ أيضا أن الاستثمار في الرأسمال البشري، وترسيخ الديمقراطية وحقوق الإنسان هو ما يكفل التنمية المستدامة ويصون السيادة، ويخلق المواطن القوي الذي يمكن الاطمئنان إلى حسه المواطن زمن الشدائد”.

*من مذكرات امبارك بودرقة (عباس)، تقديم وحوار الطيب بياض

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x