لماذا وإلى أين ؟

هل تجتاحُ إسرائيل غزة برًّا؟

*حميد عسلي

سؤال يطرق أبواب التفكير والتحليل السياسي والاستراتيجي كما تطرق طبول الحرب الإقليمية الشاملة المنطقة. الظاهر يبين أن الحرب البرية على الأبواب فالاستعدادات الجارية بحدود غزة على قدم وساق من الطرف الإسرائيلي من حيث دعوة عشرات الالاف من جنود الاحتياط وحشد ونشر مختلف أنواع أسلحتها ومعداتها على غلاف غزة، يحدث ذلك بالموازاة مع الحشد الإعلامي والضغط الديبلوماسي غير المسبوق الذي يروم إعطاء الضوء الأخضر للآلة العسكرية العبرية لحصد الأخضر واليابس في غزة فضلا عن هدف القضاء على حماس وباقي أطراف المقاومة الفلسطينية.

 

حقيقة نفس الخلاصة المبدئية تتبادر للذهن عندما نرى التحيز المطلق للبيت الأبيض في شخص الرئيس بايدن للرواية الإسرائيلية ومدها علنا بالعتاد والذخيرة وزحف ناقلة الطائرات الكاسحة لمياه المنطقة ضمانا لعدم مشاركة متدخلين آخرين في الحرب الدائرة، وهو موقف جديد مقارنة بما كانت عليه السياسة الظاهرة للولايات المتحدة الأمريكية سابقا بكونها راعية لمسلسل السلام بين الطرفين والحريصة على ضمان الاستقرار بالمنطقة. هذا التحيز شمل معظم باقي الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا وخرجات رئيسها ماكرون وكذلك ألمانيا وإنجلترا وغيرها من الدول فضلا على الحرب الإعلامية المضللة في بعض الأحيان والتي تظهر فقط الرواية الصهيونية ومظلوميتها.

لكن وبالمقابل فإن التحليل الدقيق لما يجري والمتمعن في دوافع كلا من بايدن ونتانياهو من وراء هذا الاندفاع المبالغ فيه لمحو المقاومة الفلسطينية بغزة، قد يظهر عكس ما تبدو عليه التحضيرات والمجريات.
أولا، لا يمكن للمتتبع للشأن الإسرائيلي نكران كون نتنياهو واقع في فضائح كبيرة ويعمل على تمديد وجوده على رأس السلطة ليبعد عليه شبح المقاضاة وربما الزج به في السجن وهذه الحرب هي بمثابة طوق النجاة إن هو قام باستثمارها أحسن استثمار. والمتتبع لخراجته الإعلامية يرى بغير جهد من التفكير أن الرجل يعمل على استثمار هده الحرب لصالحه عبر الدعوة لنسيان ما يفرق الساحة السياسية الإسرائيلية والالتحام حول هدف محو المقاومة.

ثانيا، إن التعاطف غير المسبوق للرئيس الأمريكي مع إسرائيل قد يرى فيه الكثير من المحللين خطوة تصب في مكاسب مستقبلية، تتجلى في كون الرجل قد بدأ حملة انتخابية رئاسية سابقة لأوانها، ولو أن طوفان الأقصى جاء قبل هذا التاريخ بسنة أو سنتين لما رأينا هذا الود منقطع النظير وهذه الحمية غير المسبوقة.
ثالثا، إن ما أسفرت عليه الهجمات الهمجية التي قام بها سلاح الجو الإسرائيلي من ضحايا في الأبرياء المدنيين والارتفاع المضطرد في عدد الشهداء خصوصا من الأطفال، قد أزاح كثيرا مما رسمته الآلة الإعلامية خلال الأسبوع الأول من الحرب في ذهن المواطن الغربي بكون حماس منظمة متطرفة حيث لم يتوانى الاسرائليون بنعتها منظمة إرهابية ووصف المواطنين الفلسطينيين بالحيوانات وقد كان قصف مستشفى المعمداني ورقة التوت التي أزاحت ما بقي من شكوك لدى المتتبع بأن ما تقوم به إسرائيل من مجازر يرتقي لجرائم حرب وعقاب جماعي حسب منطوق القانون الدولي. الأمر الذي ازدادت معه وثيرة التنديد وارتفع عدد المظاهرات المناهضة للعدوان الإسرائيلي على غزة حيث اتسع نطاق هذه الضغوط الشعبية لتصل معظم العواصم الغربية.

إن هذه المؤشرات مجتمعة تصب في كون بريق القيام باجتياح بري من طرف الجيش الإسرائيلي بدأ يخفت على عكس ما تظهره التحضيرات الميدانية، فلا يخفى على دوائر التحليل العسكري والاستراتيجي بكل من الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل بكون التكلفة البشرية في صفوف الجيش الإسرائيلي ستكون كبيرة وستثقل الحصيلة المحصلة حاليا. فلحد الآن يبقى التفوق الإسرائيلي فقط على المستوى الجوي وبوجود هوامش كبيرة في عدم القدرة على استهداف المدنيين والعزل من نساء وأطفال. ولذلك فالضغط المتزايد في مختلف شوارع الدول الغربية على عمليات التطهير العرقي، إضافة إلى ارتفاع احتمالات انضمام أطراف أخرى للحرب الدائرة عبر تصاعد العمليات العسكرية في شمال غزة من طرف حزب الله وهو ما يعيد إلى الذاكرة الإسرائيلية للحروب السابقة للكيان مع هذا التنظيم المدعوم عسكريا من إيران.

فبعد أزيد من أسبوعين عن عملية طوفان الأقصى وبداية ارتفاع الوعي الجمعي العالمي لما يقع من جرائم بالإضافة إلى التخوف من قدرات حماس القتالية وعدم الإلمام بما تتوفر عليه من أسلحة من حيث الكم والكيف، كل ذلك قد يدفع البراغماتية السياسية لبايدن كما لنتانياهو ودوافعهم الحزبية والشخصية الضيقة بتمديد الحرب الجوية وتحقيق المزيد من القتل في صفوف الجانب الفلسطيني لامتصاص الضغط الإسرائيلي الداخلي في ظل وجود احتمالات التفاوض عبر أطراف خارجية مع حماس في ملف الرهائن الإسرائيليين كما وقع مع الرهينتين الأميركتين وهو ما يعتبر مدخلا لخفض احتمالات الهجوم البري.

*باحث في القانون العام والعلوم السياسية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

1 تعليق
Inline Feedbacks
View all comments
مريمرين
المعلق(ة)
26 أكتوبر 2023 13:32

الكلام “الاجتياح البري لغزة” مجرد خدعة يذيعها الصهاينة لصرف أنظار العالم عن الجرائم اليومية التي يقترفها طيرانهم الحربي من تقتيل للأطفال و نسف للمستشفيات وتفجير للمنازل فوق رؤوس ساكنيها . إنهم (الصهاينة) بإطلاق إشاعة “الاجتياح البري لغزة” يغطون عن المذابح التي يقومون بها بتزكية من العالم الغربي المتآمر..

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x