لماذا وإلى أين ؟

هل من الضروري الاحتجاج حتى يعطى الحقّ لِذَوِيهِ؟

مُحَمّد سَعيد الرّيْحَانِي

بعد شهرين ونصف من الشطط الإداري (من منتصف شتنبر 2023 إلى الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر 2023)، وبعد تلويحي بمقاضاة وزارة الثقافة المغربية في المحكمة الإدارية حول منعي من طرف المكتبة الوطنية بالرباط من وصل الإيداع وبالتالي منعي من النشر الذي يعني بدوره منعي من الكتابة لاحقا، انحنت وزارة الثقافة المغربية مؤخرا وأرسلت لي الوصل، بعدما شعرت بلهيب الحراك الاجتماعي الجاري في البلاد يزعزع قوائم كراسي وزارات الحكومة الراهنة واحدة واحدة. الحراك الذي تقوده، بالنيابة عن الشعب، تنسيقيات التعليم بالمغرب التي حركت المياه الآسنة وأرغمت الحكومة على الاستجابة لمطالبها وبالتالي الدخول في ثقافة العصر، عصر سلطة الشعب.

مدينٌ للحراك الاجتماعي في المغرب مرتين. الدّيْن الأول كان لحراك 20 فبراير 2011 إبان “الربيع العربي“، حيث كنت أعاقَبُ بالحرمان من الترقية على إصداري بيانات سنوية على الفساد في إدارة الامتحانات المهنية في المغرب، نيابة عن زملائي من ضحايا الشطط. وهي البيانات التي جمعتها في سنة 2009 و2011 في شكل كتاب من جزأين يحملان عنوان “تاريخ التلاعب بالامتحانات المهنية في المغرب“. لقد كانت نسائم “الربيع العربي” وحراك 20 فبراير المغربية عواصف وأعاصير وعوعت أركان قلعة الطمأنينة السياسية في البلاد وفتحت بابا جديدا للمغضوب عليهم في قطاع التعليم كما في غيره من القطاعات من خلال “شكل استثنائي” للترقية سُمّيَ، منذئذ، ب”الترقية بالتسقيف” حيث كنت “آخر” من يترقى إلى السلم 11 من موظفي “جيلي” وأساتذة “فوجي“. وهي الترقية التي ما كان لي أن أدركها ولو عمّرتُ في قطاع التعليم في المغرب لألف سنة!

واليوم، أنا مدين، للمرة الثانية، للحراك الاجتماعي الذي يقوده نساء ورجال التعليم في المغرب الذي يحرك مياه البِركتين، البِركة المجتمعية والبِركة الحكومية، من خلال تذكير الشعب بأن الوحدة أساس انتزاع الحقوق وأن الصوت العالي يغير موازين القوى حين يكون أحد أطراف الميزان “ظالم” و”مظلوم” وأن الطريق لتحقيق المطالب هو زلزلة الأرض تحت أقدام الواثقين من حقائبهم الوزارية وممن يقف وراءهم من “الضامنين” لكراسيهم داخل الحكومة.

شكرا لزملائي، أساتذة المغرب، على صمودكم لمدة شهرين حيث تواعدتم على وحدة الصف وأقسمتم على عدم التراجع عن الحقوق ولو بالطرد من المهنة. واليوم، أنتم تنتزعون، بقوة الوحدة وبقوة الصوت الواحد وبقوة الإرادة وبقوة الصمود، ما آمنتم بأنه حقّ لكم. وأنا، من جهتي، أنتزع حقّي في التعبير المكتوب وفي النشر الروقي والإلكتروني في زمن “أفول المؤسسية” وصعود ثقافة المزاج والعناد والتسلط ودعم التفاهة.

لكن، هل قدرنا في هذه البلاد هو الخروج الدائم للشارع للتعبير عن الغضب وعدم الرضا كي تفهم الحكومات أنها مقصّرة في أدائها؟

ألا تقيّم الحكومات أدائها كما تقيّم أداء الآخرين؟

ألا توجد مؤسّسات ضامنة للحقوق كما توجد مؤسّسات ضامنة للواجبات؟

هل تضبط الحكومات ساعتها على تحقيق أهداف الوطن كما تضبط ساعتها على الموعد الانتخابي الكبير فقط؟

شكرا لأساتذة المغرب على الدرس الكبير الذي قدمتموه لعموم الشعب والذي لا زلتم تقدمونه. أساتذة المغرب هم أساتذة جميع المغاربة بمن فيهم وزراء الحكومات. وكلمتهم، إن لم تسمع في وقتها بما ينسجم وحجم الأستاذ وموقعه في ثقافات العالم، فإن الاستماع لها سيُفرَضُ عاجلا أو آجلا بأدوات الأستاذ التي تتغير بتغير الدروس التي يقدمها لتلامذته من الصغار والكبار.

شكرا لكم، مجددا، يا أساتذة المغرب.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x