لماذا وإلى أين ؟

أزمة تركيا ومغاربة أردوغان

تحكمت نظرية المؤامرة في تفسير الأزمة الإقتصادية التي تشهدها تركيا، بعد تراجع قيمة صرف الليرة أمام الدولار الأمريكي، سواء لدى القيادة التركية التي تحاول تصريف مأزقها الناتج عن إنتهاك الخيط الرفيع الفاصل بين السياسة والإقتصاد، أو لدى إسلاميي دول المشرق العربي وشمال إفريقيا مناصري أردوغان تحت شعار “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”، في حين أن القيام بعميلة البحث والتأمل في المعطيات الإقتصادية يمكن للمرء أن يستنتج أن هناك 4 أسباب موضوعية تسببت في إنهيار العملة التركية:
1/ لا شك أن هناك علاقة قوية بين الاقتصاد والسياسة، إذ دائما ما يكون الأداء الاقتصادي ميدانا رئيسيا للمعركة السياسية، إلا أن تدخل إدارة أردوغان في تدبير السياسة النقدية ودخوله في صراع خفي مع مسؤولي السياسات النقدية والبنك المركزي التركي، بعد رفضه الرفع من سعر الفائدة، بالرغم من أن البنك المركزي دعا إلى الرفع من سعرها لدفع رجال الأعمال إلى إستثمار أموالهم في البورصة والإبتعاد عن الإدخار، ودفع الشركات إلى التقليل من الاقتراض والعمل على التخلص من ديونها بشكل عام، بمبرر أن الرفع من سعر الفائدة سيؤثر سلبا على البرنامج الحكومي الإقتصادي، أدى إلى طغيان المصالح السياسية على الإقتصادية، فغرور الرجل جعله يظن أنه قادر على الخروج من النظام الرأسمالي الذي يجمعه به زواج متعة إنتهت مودته، بخطب حماسية ونداءات شعبوية، وبتقويضه لجهود البنك المركزي الذي من المفترض أنه يحظى بالاستقلالية الكاملة في مكافحة مستويات التضخم المرتفعة.
2/  عجز الحساب الجاري، الذي يعرفه الإقتصاديون أنه حساب مصرفي تعتمد فكرته على إيداع وسحب النقود بشكل متكرر وحركة التعامل عليه عالية وسريعة، ويتجلى هذا العجز في أنه مع نهاية شهر ماي 2018 بلغ إجمالي العجز في الحساب الجاري 57.6 مليار دولار مقارنة بحوالي 36.2 مليار في ماي 2017، وهو ما يعني أن حجم التحويلات النقدية إلى خارج تركيا أكبر بكثير من حجم التحويلات إليها، هذا المعطى يحاول البعض أن يربطه بالتحويلات التي يقوم بها اللاجؤون السوريون، فأردغان ومناصروه يمكن أن يجعلوا من المآسي شماعة لفشلهم، فبذل الإعتراف لتصحيح الوضع تجدهم يكابرون بلا خجل ولا حرج.
3/ بالرغم من أن تركيا سنة 2013 تمكنت من تسديد ديون المؤسسات المالية الكبرى، إلا أن الدين العام عرف ارتفاعا سريعا، بحيث وصل حجم الدين العام في تركيا إلى 453.2 مليار دولار مع نهاية 2017، وتضاعفت ديون الشركات التركية بصورة متسارعة خصوصا في ظل تراجع أسعار الفائدة، وهذا ما يزيد من تشجيع الشركات على المزيد من الإقتراض، وبالتالي إرتفاع مستوى التضخم.
4/ لعب عجز الميزان التجاري التركي دورا مهما في الأزمة النقدية التركية، خاصة أن عجز الميزان التجاري تضاعف من 43 مليار دولار في النصف الأول من 2017، ليصل إلى قرابة 70 مليار دولار مع نهاية النصف الأول من 2018. وهو ما سيتزايد نظراً لاستيراد تركيا لمعظم حاجياتها الطاقية من الخارج والتي تؤدى بالدولار الأمريكي.
يمكن فهم أو تفهم التبريرات التي يقدمها أردوغان وأنصاره بتركيا، لكن ما لا يمكن إستيعابه هو تفاعل الأوصوليين المغاربة مع هذا الحدث، والذين سارعوا إلى إضفاء الطابع الديني واعتبار انهيار الليرة التركية جزء من الحرب التي يشنها الغرب على الإسلام، فسارعوا إلى إطلاق حملة مقاطعة البضائع الأمريكية، لم يقوم بمثلها نصرة للفلسطنيين الذين تسفك دمائهم بأموال وسلاح الأمريكان. ودعوا المغاربة إلى الإقتناء من الأسواق الممتازة التركية بدلا من المغربية، حتى أصبح المرء يبلع لسانه أمام دهشته من الإستعداد القبلي لممارسة العمالة ضد الوطن. طبعا إنهم نسوا أن المغرب ظل سدا أمام الإمبراطورية العثمانية، وانه طرد امبراطوريات الغرب الإستعمارية، فالمغرب كـ”شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ”.
إن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم وخاصة منطقة الشرق الأوسط، انعكست على الوضع العام التركي، إذ إستغلها أردوغان وحزبه، في الإنتقال من نظام الحكم من البرلماني إلى الرئاسي، وما أفرزه ذلك من إحكام للسيطرة على دواليب السلطة، وهاهو يحاول اليوم أن يعيد إستغلالها للهروب من تحمل مسؤولية الإنهيار النقدي الذي سيؤثر سلبا على الظروف المعيشية للمواطن التركي، والتي طالما تغنت الأوصولية خاصة في بلادنا بمستواها العالي، مع كامل الأسف.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
محمد الصاديق
المعلق(ة)
15 أغسطس 2018 20:20

تحليل غريب للأزمة المالية التركية

خالد
المعلق(ة)
14 أغسطس 2018 23:48

حبدا لو وصلنا لربع ما وصلت إليه تركيا. فالكبوة غيمة سابحة فوق أجواء تركيا وغدا سترون أن التحدي ما هو إلا عزم رجل يقود ما أفسدته الدول العربية ويصنع تاريخ بلاده بغرس أسس ومبادئ وقيم. ليت لنا نفس روح التحدي والعزم والاهم من ذلك المبادرة التي كانت ولزالت مغيية.

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

2
0
أضف تعليقكx
()
x