لماذا وإلى أين ؟

المتنبي يسخر من عنترة الجزائر

د.خالد فتحي

استمعت كغيري لتصريحات لتبون حول استعداده لتحرير غزة، فتعجبت كيف لهذه “الشجاعة” الطارئة تذهب بصاحبه هذا ا كي يقول أن ليس يمنعه من إنجاز المهمة البطولية غير إحجام مصر عن فتح الحدود له . لم يطل عجبي كثيرا بهذه العنتريات حتى سمعت المتنبي يهمس في أذني بيتين له ، كأن قد بلغه مثلنا نبأ هذا التجمع الانتخابي، كان قد قالهما قبل ألف عام، يسخر بهما من مثل هذا التشاجع التبوني .
غَيري بِأَكثَرِ هَذا الناسِ يَنخَدِعُ

إِن قاتَلوا جَبُنوا أَو حَدَّثوا شَجُعوا.

أَهلُ الحَفيظَةِ إِلّا أَن تُجَرِّبُهُم

وَفي التَجارِبِ بَعدَ الغَيِّ ما يَزَعُ.

لقد تحدث الرئيس في لمته الانتخابية، وهو مطمئن بعيد آلاف الكيلومترات عن أرض غزة ومأساتها ، فلم يمنع “مشاعره” ان تجيش عليه ، ولم تتأخر حميته الانتخابية. كي تتدبر له شجاعة مصطنعة يعبر بها عن تشوفه للقتال والنزال، ملقيا باللا ئمة، كل اللا ئمة ، في قعوده على القاهرة التي “حالت” بينه وبين إظهار “بسالته ونجدته” لما لم تساير فيه “طبعه البطولي “.

قلت لنفسي، لعله قد أشرب حليب السباع قبل المهرجان ،فثارت حفيظته من أجل غزة ، وجاء محفزا صياح الصائحين وتصفيرات المصفرين ،مدغدغا مشاعرهم، بلغة دنكشوتية أضحكت العالم. لكني حين عدت و تأملت البيتين ،ففهمت انه فعل ذلك لأنه يعلم علم اليقين ، أن بوسعه أن يتجرأ و يلوم مصر ويزايد عليها علنا بهذه الشعبوية السخيفة لأنه استوثق و أمن -كما قال المتنبي – أن لن يجرب وأن لن يوضع أبدا على المحك . فالوقت وقت انتخابات، ولا أحد يأخذه على محمل الجد.

هو يعرف قبل غيره أن مانطق به مستحيل عليه فعله ،بل و يعرف أن كلامه هرطقة في غير محلها … مجرد أضغاث كلام انتخابي ذرته مباشرة في الهواء تصفيرات الجمهور ، فما هكذا طبعا تخاض الحروب، وماهكذا تدار.

مالا يستوعبه تبون ان القضية الفلسطينية قضية طاهرة كان ينبغي لها أن تبقى فوق أية متاجرة رخيصة بها .فكيف في ذروة الهجوم على غزة، وسقوط آلاف الشهداء والجرحى،و تعريض شعبنا بفلسطين للتجويع والتهجير والتقتيل الممنهج ،يظل هناك في الوطن العربي من يرى فيها و هي في خضم أزمتها محض ورقة انتخابية رابحة يكسب فيها موقعا في السلطة .صحيح إذن مرة اخرى قول المتنبي : بذا قضت الأيام بين أهلها، ،مصائب قوم عند قوم فوائد .فلكأنه يحكي كذلك عن هذا المشهد الرث.

هكذا يكتشف الجزائريون، ومعهم العالم ،وياللغرابة ،أن غزة الجريحة ،المكلومة المدمرة عن آخرها ،هي التي يرجو منها تبون على نكباتها أن تسعفه ، بينما كان العكس هو ما يفترض حدوثه.

عاد تبون الى التاريخ يستمدده، لكنه سيقترف المغالطات مرة اخرى : تحدث عن نصرة الجزائريين لصلاح الدين الأيوبي، ونسي ان سلطان المغرب الكبير الذي أنجده آنذاك ، كان هو يعقوب المنصور الموحدي مؤسس العاصمة الرباط .ثم تحدث بعناد عن شهداء جزائرين في حرب 1948 .رغم انه تذكر أن الجزائر كانت ترزح آنذاك فاقدة لاستقلالها تحت نير الاستعمار ،فكيف ياترى يدعي أن لفاقد شيء أن يجاهد ليعطيه الآخرين !! . لايعرف تبون الخرائط جيدا ،والا لما كان تنمر على مصر،ولكان ربما قد انتبه أن سيعاب عليه أن لم يقرر أن يصل غزة عبر البحر المتوسط انطلاقا من شواطئ الجزائر الممتدة ،و أن لم يطلب أيضا من لبنان و سوريا والاردن أن يفتحوا له حدودهم أيضا “ليأتي” هو بما لم يستطيعوا الإتيان به.

لقد نسيت حقا .هو لم يقل إنه سيحرر غزة ،وإنما قال إنه سيقوم بإعمارها ، وسيبني فيها3 مستشفيات في أقل من 20 يوما. لكن من لم يدخل البريكس للأسباب التي يكابدها أشقاءنا الجزائريون، ومن ضحى بتنمية شعبه نصف قرن جريا وراء أوهام خاوية ،كيف له ان ينفذ بعيدا عن وطنه تنمية وبناء عجز عنهما بداخل وطنه ؟

كذلك من يمنع من باب أضعف الإيمان التظاهر بأرضه تضامنا مع غزة، كيف له ان يبعث جيشه لانقاذها او اعمارها ؟
مهلا أيها المتنبي، لست اريد ان أذكر بيتك الآخر ،لكن ما أفعل ،وانت تلح علي إلحاحا. فليكن إذن ماتريد : فعلا معك حق . إذا ما خلا الجبان بأرض، طلب الطعن وحده والنزالا.

وفعلا كذلك انت مصيب : أن جود الرجال من الأيدي وجود البعض من اللسان، فلاكان هذا البعض ولاكان الجود.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

1 تعليق
Inline Feedbacks
View all comments
المداح
المعلق(ة)
23 أغسطس 2024 08:31

ان من يذهب مهرولا قاصدا المانيا لمعالجة نزلة برد كورونية. هو أحوج إلى مستشفيات بلاده لعلاج مرضى الشعب. فليس كل الجزائريين بامكانهم الاستشفاء في ألمانيا.

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x