لماذا وإلى أين ؟

محاولة الهجرة الجماعية مؤشر على فشل مؤسسات التنشئة الإجتماعية بالمغرب (عنبي)

أصبحت محاولة مئات الشباب والمراهقين، من المغرب ودول أخرى، اختراق الشريط الحدودي الفاصل بين مدينة الفنيدق والمناطق المجاورة لها والحدود الفاصلة مع مدينة سبتة المحتلة، بشكل جماعي، حديث المواطنين المغاربة، خاصة بعدما ضجت مواقع التواصل الإجتماعي بصور وفيديوهات توثق الواقعة.

وحيث أن الصور والفيديوهات المنتشرة على مما سمي “محاولة الهروب الجماعي من المغرب” آلمت فئة واسعة من المغاربة ونسفت كل الشعارات التي ترفعها الحكومات المتعاقبة عن جهود التنمية البشرية، فإن الموضوع يحتاج وقفات للفهم؛ قبل البحث عن الحلول. وربما من بين أول أبواب محاولى لفهم هي الإستماع لعلماء النفس والإجتماع الذين يدرسون المتجمع المغربي.

في هذا الإطار، يرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط، عبد الرحيم عنبي، أن الهجرة داخل المحتمع المغربي أصبحت عنصرا ثقافيا وممارسة ثقافية واجتماعية، كما أضحت استراتيجية ليس فقط من أجل تحسين الوضع الاقتصادي بل حتى للترقي الإجتماعي، أضف إلى ذلك الجانب النفسي؛ حيث أصبح لدى هؤلاء الشباب واليافعين نماذج حياة جديدة وتطلعات جديدة لم تعد مؤسسات التنشئة الإجتماعية من الأسرة والمدرسة ومؤسسات الدولة قادرة على الجواب عليها، لأن هذه المؤسسات ما تزال تشتغل بكيفية تقليدية.

الكيفية التقليدية في التنشئة وفق عنبي الذي كان يتحدث لصحيفة “آشكاين” الإخبارية، تتمثل في “تصور أن طفل يعيش داخل أسرة يتشبع بقيمها الأسرية ثم يخرج ليندمج في المجتمع؛ وإذا فشل في الإندماج بسبب ضعف هذه القيم أو لرفضها فهو يكون على هامش المجتمع أو ما يعبر عنه بالإنحراف”، مشيرا إلى أن المنطق الذي يشتغل به شباب اليوم يختلف تماما عن ذلك، خاصة أن مؤسسات التنشئة لم تطور قدراتها وأداءها.

عبد الرحيم عنبي ــ أستاذ علم الاجتماع

وأوضح أستاذ علم الإجتماع أن الثروة الرقمية التي يشهدها مجتمعنا بسبب فيض المعلومات والصور والفيديوهات التي تقدمها وسائل التواصل الإجتماعي قلبت الموازين، وأصبحت تقدم محتويات تشكل انمودجا حيا للشباب واليافعين، يدفعهم للقيام بكل ما يلزم لبلوغه، مبرزا أن ما ساعد في هذا الوضع؛ هو الخلل الذي تعيشه الأسر؛ حيث أن الأباء لهم نمط تفكير وعيش يختلف تماما مع تطلعات أبنائهم، وصور المستقبل الذي يرسمه الآباء يختلف كليا مع يريده الأبناء.

من جهة أخرى، يسجل المتحدث أن المؤسسات التعليمية بدورها تشهد خلل بسبب اعتماد مناهج تدريس كلاسيكية وطرق تدريس ومقررات تدريسية لا تجيب على تطلعات الشباب، حيث أن نمادج وتصورات العيش والحياة التي أصبح هؤلاء الشباب يردون عيشها تختلف مع النماذج التي تقدمها المدرسة ومؤسسات المجتمع بشكل عام.

وشدد عنبي على ضرورة الإعتراف بأن هناك فشل في السياسات الإجتماعية التي تعدها الأحزاب السياسية؛ التي أصبحت متخلفة عن الدينامية التي يشهدها المجتمع وغرقت في نقاش موضوعات تعود إلى نهاية الثمانينيات وتسعينيات القرت الماضي؛ باستثناء بعض السياسات الإجتماعية المرتبطة أساسا بالتغطية الصحية، لافتا إلى أن السياسات العمومية لم تتطور بالشكل الكافي للتعامل مع متطلبات الأسرة والمدرسة والشباب اليافع.

ووفق متحدث “آشكاين”، فإن ما تقدمه وسائل التواصل الإجتماعي أصبح اليوم مرتكزات لبناء المستقبل بالنسبة لفئة واسعة من الشباب اليافع، ربما تقدم في كثير من الأحيان مرتكزات غير واقعية ومجرد مستقبل افتراضي متخيل، لكنها تقدم كذلك واعيا على المستوى الحقوقي من قبيل الديمقراطية، التوزيع العادل للثروات، حقوق الطقل، حقوق المرأة ..، ما يجعل الشاب اليافع يفتقد هذه القيم في مجتمعه ويحاول الهدرة بحثا عنها في الضفة الأخرى بسبب ما رسم عنها من عبر “السوشل ميديا”؛ في الوقت الذي غيببت فيه الصورة الأخرى مثل الجوع، الحرمان، التشرد .. .

ويعتبر الباحث في علم الإجتماع أن محاولة الهجرة الجماعي تشكل تعبيرا عن الرفض لمجموعة من القيم والسلطة شكل عام ومنها الأسرية التقليدية، مبرزا أنه يجب إعادة النظر في مجموعة من القيم وأداء مؤسسات التنشئة الإجتماعية من أجل مواطبة تطلعات شبابنا ومواجهة الصور غير الحقيقية التي ترسم على مجتمعات أخرى.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

1 تعليق
Inline Feedbacks
View all comments
ابو زيد
المعلق(ة)
16 سبتمبر 2024 22:33

يقولون و يحللون كل شئ لكنهم لا يتطرفون الى اصل المعضلة!! التخريب الممنهج للاسرة بمفهومها الأصيل عندنا كمغاربة و كمسلمين!!
التخريب الممنهج للمدرسة العمومية!!
بروز شخصيات او بالاحرى طفيليات سياسية زرعت الياس في الناس!!
و ضعف التاطبر الديني في المساجد !!

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x