لماذا وإلى أين ؟

سوريا.. هل اقتربت النهاية؟

بعد صدام عنيف ودامي إستمر لأكثر من عقد من الزمن، دخلت المعارضة المسلحة إلى دمشق وتم إعلان سقوط نظام الأسد، وهو الأمر الذي جعل أنظار العالم تتجه من جديد نحو سوريا نظرا لهذا التغيير السريع والمفاجئ بالنسبة للناس غير المهتمين بالشأن السوري، أما بالنسبة للمتخصصين بهذا الشأن فهو أمر عادي ومتوقع نظرا لإنكماش إيران وتقهقر حزب الله وإنشغال روسيا بحربها مع الأوكران…هاته النقلة الشطرنجية على رقعة الخريطة السياسية ألقت بظلالها على المنطقة بأكملها وستغير الخريطة الجيوسياسية لسوريا الداخلية والخارجية، حيث ستفتح أمامنا هذه التحولات بابا للإستدراك والتعلم والإستفادة… تؤهلنا للتفكير في أليات بناء دولة قوية ومستقرة، وتدفعنا إلى التأمل في التحديات والفرص التي تنتظرنا في الأفق.

وسنحاول التطرق إلى مجموعة من الخلاصات والتحديات الراهنة في ظل التعقيدات التي تطبع فسيفساء المجتمع السوري من أجل إعادة بناء الدولة والمؤسسات الحكومية وهي كما يلي:

1- تشعب المعارضة المسلحة:كلنا يعرف أن المعارضة السورية تنقسم إلى مجموعة من التشعبات نذكر منها:

_ الجيش الوطني السوري (عملية فجر الحرية) والذي يتكون من ثلاث فيالق :كل فيلق يضم مجموعة من الألوية والفصائل كلواء الشمال، تجمع أحرار الشرقية ولواء محمد الفاتح وفيلق الشام، وفيلق المجد وفيلق الرحمان و جيش الإسلام والجبهة الشامية…

_ هيئة تحرير الشام (عملية ردع العدوان) والتي تتكون من مجموعة من الفصائل منها:أحرار الشام ونور الدين زنكي والحزب الإسلامي الكردستاني والجبهة الوطنية للتحرير….

في ظل هذه التشعبات قد تنجر في أي لحظة هذه الجماعات المسلحة إلى الإقتتال الداخلي فيما بينها إما إيديولوجيا أو على مناطق السلطة والنفوذ -وما أفغانستان وليبيبا عنا ببعيد-، مما سيقضي على أمال الشعب السوري نهائيا في إقامة دولة حرة ونزيهة.

2- الأكراد: إذا لم يقبل الأكراد بزعامة الفصيل المسلح قوات سوريا الديموقراطية بحكم ذاتي ضمن دولة سوريا قوية، فإنهم سيطدمون مع قوات المعارضة السورية المسلحة بإيعاز من تركيا- العدو الأكبر للأكراد بما فيهم قسد أو حزب العمال الكردستاني-، مما سيجر البلاد إلى مزيد من الحروب والصدامات وسيكلفها المزيد من الأرواح والدماء.

3- المصالحة والعدالة الإنتقالية: من ضمن الصعوبات التي ستواجه إقامة دولة القانون في سوريا هي معالجة الانتهاكات الفظيعة التي قام بها نظام الأسد، حيث يجب أن يكون هناك مسار للعدالة الإنتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الإنتهاكات إذ اقتضى الحال (لكي لا يتم السقوط في عملية الثأر والانتقام بين أفراد المجتمع والطوائف)، والعمل على مصالحة الطوائف والعرقيات وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري.

4- التدخلات الإقليمية والدولية: نظرا لموقع سوريا الجيو استرتيجي ستسعى مجموعة من الدول الاقليمية والدولية للحفاظ على نفوذها في المنطقة كتركيا وروسيا وإيران والولايات المتحدة والسعودية وقطر والسعودية…مما يمكن أن يحول سوريا من جديد إلى ساحة صراع بين هذه القوى من خلال دعم فصائل لفرض رؤيتها على مستقبل سوريا.

الديموقراطية التشاورية بديلا:

يدعونا الواقع الحالي في العالم العربي إلى تجاوز كل أشكال الخطابات التقليدية التي تتميز بصراع الإسلاميين مع العلمانيين أو بصراع الاشتراكيين مع الليبراليين، هذا الصراع الذي يعد نتيجة للديمقراطية التقليدية أو التمثيلية، والمنتجة إما لنظام ليبرالي أو جمهوري أو نظام فقهي، وإحلال محلها ديمقراطية بديلة تجعلنا نستشعر وحدة المصير ووحدة المشروع المفضي إلى التقدم ومواجهة الصعوبات، نفضل أن نطلق عليها ديمقراطية تشاورية (تداولية) فما هي دلالة هذا النسق السياسي الجديد؟ وكيف سيساهم في بلورة معالم التغيير في سوريا ما بعد الأسد؟

تندرج الديموقراطية التشاورية التي نقترحها سبيلا نحو التغيير في العالم العربي-سوريا- ضمن نسق العودة إلى الثقافة المشتركة بين المواطنين وعالمهم المعيش، يعني إعطاء الأهمية للمواطن ولثقافته في العملية الديموقراطية، والمواطن بما هو فاعل يتمتع بحقوق المشاركة بصفتها حقوقا ايجابية تجعل منه المواطن الساعي إلى إقناع الناس بالمصالح العامة بدل المصالح الشخصية.[1]

وتدعونا الديموقراطية التشاورية إلى تجاوز التصور النخبوي للعملية الديموقراطية، كما هو متداول في عدد من الدول العربية التي تنهج في ممارستها الديموقراطية سياسة الحزب الوحيد (سوريا البعث نموذجا). كما تسعى هذه الديموقراطية البديلة إلى إيجاد حلول إجرائية للمشاكل والصراعات التي يتخبط فيها العالم العربي، سواء تلك المرتبطة بالتناوب على السلطة أو تلك المتعلقة بأمور اقتصادية أو ثقافية… وهو الأمر الذي سيساهم في تحقيق الاستقرار السياسي والتصالح الاجتماعي، ويمثل هذا، الهدف الذي ترومه هذه الديموقراطية

رهان الديموقراطية التشاورية في بناء الدولة القوية:

ما نلاحظه في الفضاء العمومي العربي أن الدين أصبح حاضرا بشكل كبير في كل النقاشات السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالتغيير والمرتبطة بالديموقراطية وآليات الحكم… لذا فلا يجب النظر إلى الجماعات الإسلامية باعتبارها تشكل خطرا، بل يجب إشراكها في هذا النقاش، مادامت ستلتزم بأخلاقيات النقاش والحوار، وما دامت لم تفرض حقائقها الإيمانية بالعنف والضغط والتعسف… كما لا يجب محاولة استئصالها أو مقابلتها بالعنف المشرعن من طرف الدولة السائدة والمتحكمة أو القوى الإقليمية المناهضة لها ، ، لأن هذا الفعل يعمق هوة الاختلاف ويوسع دائرة الصراع والاحتقان داخل المجتمع، ولعل مجزرة حماة (على سبيل المثال فقط) خير شاهد على ذلك في فترة الثمانينات، حيث قوبل الإسلاميون وذووهم بعنف مبالغ فيه، وهو الأمر نفسه الذي حاولت أن تقوم به أجهزة الدولة تجاه ثورة مارس 2011 في سوريا، لكن هذه المرة انجرت البلاد إلى حمامات من الدماء… لذا فإنه من واجب الدولة كيفما كانت أن تقف موقف الحياد بين أنصار المشروع الديني وأنصار المشروع المدني، لأن مثل هذا الموقف سيعزز التضامن بين كل فئات المجتمع. بل والأكثر من ذلك، فالمواطن العلماني مفروض فيه في مجتمع مثل مجتمعنا العربي، أن تكون له نظرة منفتحة تجاه التصورات الدينية السائدة حتى لا يسقط في تلك النظرة المتعالية على الأخرين.[2] ففي عالمنا العربي خصوصا، لا يحق للمواطن العلماني، طالما أنه يقدم نفسه مواطنا، أن ينكر الصحة الممكنة للتصورات الدينية حول العالم، ولا حرمان المواطن المؤمن من حقه في التعبير بلغة دينية وطرح مواضيع للمناقشة في الفضاء العمومي، بل عليه أن يساعد في فهم وشرح هذا الخطاب وجعله واضحا للجميع[3] بحيث سيفضي مثل هذا الموقف إلى التكامل بين المشروعين العلماني والإسلامي مما سيؤدي إلى الاستفادة المتبادلة بينهما، والتي ستتمكن من تذويب الخلافات التي تقسم المجتمع السوري إلى فريقين معي أو ضدي…ونرى أن الصراع الدائر حاليا في سوريا ناتج عن غياب هذه الرؤية أو قل إبعادها في حل الخلافات بين أطراف الصراع منذ بدايته أو حتى قبل بدايته الأولى.

ماذا يعني فشل بناء دولة ديموقراطية في سوريا :

لقد غدى التغيير اليوم في عالمنا العربي (ومنه سوريا) ضرورة ملحة ستمكن المواطنون بصفتهم ينتمون إلى هذه الهوية وإلى هذه الجغرافيا أن يعيشوا حالة من المواطنة التي تتيح الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

ولعل السبيل نحو هذا التغيير المنشود هو فعل التواصل بين كافة المكونات والشرائح ، هذا الفعل الذي هو بحاجة إلى فضاء عمومي مناسب لذلك، تلعب فيه وسائل الإعلام التي نحن بأمس الحاجة إليها دورا كبيرا في وضع الحجر الأساس، لبناء ورش كبير في المنطقة ينتهي بديموقراطية تشاورية؛ تناقش حل القضايا العالقة وتفضي إلى نقاش قضايا كبرى استرتيجية في إطار المشروع الكبير، الذي سيضع العالم العربي كقوة سياسية واقتصادية ضمن القوى المهيمنة في العالم، وإلا فإننا سننجر نحو مزيد من العنف والتشرذم أكثر مما نحن عليه اليوم، ونصبح عندئذ في خبر كان، فإما التواصل أو نستعد للزلزال

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x