2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]

أعرب المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا عن قلقه العميق إزاء التطورات السياسية، والاجتماعية الراهنة.
يبدو بعد مرور 80 عاما على تحرير معسكر اعتقال أوشفيتس أن الوعد الشمولي تحت شعار “لن يتكرر أبدا” لا يشمل الجميع في ألمانيا. ففي حين يعترف السياسيون الألمان خلال فعاليات إحياء الذكرى العالمية للمحرقة بمسؤولية بلادهم التاريخية، يواجه المسلمون والمسلمات في البلاد مستوى غير مسبوق من الكراهية، والتحريض، والعنف. وتتزايد العنصرية ضد المسلمين بشكل كبير، في الوقت الذي يقلل فيه بعض الفاعلين السياسيين، والإعلاميين من خطورتها، بل ويقومون بإذكاء شرارتها عن قصد.
الأرقام تؤكد هذا الواقع بجلاء: ففي عام 2023 تم تسجيل 1464 جريمة معادية للإسلام في ألمانيا، من بينها 70 اعتداء على المساجد، وهو ارتفاع بنسبة تزيد عن 140% مقارنة بالعام السابق. كما وثقت منظمة “CLAIM” وقوع 1926 حادثة عنصرية ضد المسلمين، وهو أكثر من ضعف ما تم تسجيله في العام الذي سبقه. وتتعرض النساء المسلمات المحجبات بشكل خاص لهذه الاعتداءات.
أظهرت دراسة لايبزيغ للسلطوية في 2024 أن العنصرية ضد المسلمين أصبحت ظاهرة واسعة الانتشار في المجتمع. وأكدت دراسة مؤسسة فريدريش إيبرت لعام 2023 أن المواقف المعادية للإسلام تزداد قبولا، مما يؤدي إلى تقويض القيم الديمقراطية الأساسية. ولكن في الوقت الذي يتم فيه التهديد، والتشهير، والاعتداء على المسلمين، بما في ذلك الأطفال، تساهم بعض الجهات السياسية، والإعلامية في تأجيج هذه الأجواء العدائية.
عواقب هذا الواقع وخيمة جدا: تهديدات بتفجير المساجد، اعتداءات على المسلمين وعلى المؤسسات الإسلامية، وتعرضهم للمضايقات في الحياة اليومية (كما حدث في الأيام الأخيرة في مدن مثل دوسلدورف، وإيسن، ودويسبورغ، وكولونيا، وبنزبرغ). وبدلا من اتخاذ إجراءات رادعة، تغض السياسة الشعبوية الطرف عن هذه الاعتداءات أو حتى تزيد من تفاقمها. هذا العنف ليس مجرد صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لبيئة اجتماعية باتت ترى في عنصرية الإسلاموفوبيا أمرا مشروعا.
ومن الأمثلة الحديثة على هذا التوجه الخطير الرسالة المفتوحة التي وجهها السفير الإسرائيلي رون بروسور إلى مجلة “دير شبيغل”، والتي تضمنت هجوما على مقابلات منشورة احتوت أيضا على أصوات مسلمة تناولت الصعوبات المتزايدة التي يواجهها المسلمون في ألمانيا، خاصة منذ أحداث الـ 7 أكتوبر 2023.
إن اهتمام وسيلة إعلامية سياسية بهذه الحقائق المؤلمة عن حياة المسلمين في ألمانيا أمر نادر للغاية. لذا كانت خطوة “دير شبيغل” بنشر هذا الموضوع مهمة، وشجاعة. غير أن السفير بروسور تجاوز حدود اللياقة بتوجيه اتهام خاطئ للمجلة بأنها بذلك “تعدت حدود التقليل من المحرقة”.
ويعتبر المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا هذا الحادث مناسبة للإشارة إلى الحملة المتعمدة لتشويه الأصوات المسلمة في البلاد. فتصريحات مثل تلك التي أدلى بها بروسور، وتصريحات حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) ، وبعض الأطراف المحافظة ذوات الميولات اليمينية تساهم بشكل كبير في تكريس الشقاق في المجتمع.
لقد باتت ثمة حاجة ماسة إلى ردة فعل حاسمة. إذ يجب متابعة الجرائم المعادية للمسلمين بشكل صارم، وتعزيز حماية المساجد، ودحض السرديات العنصرية في السياسة والإعلام.
ألمانيا لا يمكن لها اليوم أن تواصل إحياء ذكرى المحرقة بينما تستمر في نفس الوقت في تجاهل استهداف أقلية مجتمعية جديدة في الوقت الراهن. إن من يحمل شعار “لن يتكرر أبدا” على محمل الجد عليه أن يتحرك فورا، بدون شروط، وبدون مساومات، وبشكل حازم. فالأمر يتعلق بحياة البشر، ولا شيء أقل من ذلك.