لماذا وإلى أين ؟

سابيك: معدلات الجريمة بالمغرب تنخفض خلال رمضان

نظم المجلس العلمي الأعلى، اليوم الأحد، لقاء تواصليا بالعاصمة الرباط، حول مشروع ”خطة تسديد التبليغ”.

وعرف اللقاء مشاركة عددا من الشخصيات البارزة، التي ألقت مداخلات بهذه المناسبة.

فيما يلي كلمة المراقب العام للشرطة بوبكر سابيك والناطق الرسمي للمديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني:

“بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

– السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية؛

– أصحاب الفضيلة والسعادة؛

يتشرف قطب المديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني بدعوته للمشاركة في هذا اللقاء التواصلي الهام، الذي يُناقش مواضيع موسومة بالراهنية، وتتقاطع مع قضايا الأمن في أبعاده الروحية والمادية.

كما تعتز مصالح الأمن بحضورها أشغال هذا اللقاء، من رحاب مؤسسة العلماء، التي نعتبرها مساهما أصيلا، ومشاركا لا مندوحة منه في إرساء وتوطيد الأمن في مفهومه الواسع.

فالمؤسسة الأمنية تنظر لمثل هذه اللقاءات، بمنظار مُتعدي القصد. فهذا الجمع المبارك ينشد، بأثر فوري، التفاعل المؤسساتي مع موضوع مهم في حياة الناس، وهو علاقة خطة تسديد التبليغ بالتنمية والأمن، كما أنه يُجسد، بشكل عام، مفهوم الإنتاج المشترك للأمن، الذي يجعل من الجميع مشاركين في مغانم الأمن ومكاسبه، ومساهمين كذلك في تحمل تكلفة إرسائه والمحافظة عليه.

ومن هذا المنظور، سأتناول في هذه المداخلة المتواضعة موضوع “خطة تسديد التبليغ وأثرها على الأمن والتنمية“، لإبراز مجالات التقاطع بين وازعي القرآن والسلطان، مع تدعيمها بمؤشرات رقمية لقياس مدى حاجة الأمن لوازع القرآن من جهة، وتقدير منسوب كلفة التبليغ على التنمية من جهة ثانية.

فمن الثابت أنه لا سبيل لتحقيق التنمية بدون أمن. فبدون احترام مرتكزات النظام العام، والتقيد بضوابط الأمن والقانون، تصير التنمية فوضى وعنوانا للاضطراب المجتمعي. وفي المقابل، لا مناص للأمن من أوراش التنمية، لأن الفقر والهشاشة والانحراف هي مَجالب للخوف والجنوح وليس دعائم للأمن والاستقرار.

وفي المحصلة، فنحن أمام علاقة تلازمية تتحقق بتوافر الشرطين (الأمن والتنمية) وتنتفي بغياب أحدهما أو كلاهما. لكن الجمع بين هذين الشرطين يستدعي مرتكزا ثالثا وهو الوازع الأخلاقي والديني. ذلكم الضابط المعنوي، الذي ينعكس على السلوك المادي للأفراد، ليسدّد معاملاتهم، ويُصحح علاقتهم بالأغيار، وهو ما يشكل جوهر “وازع القرآن”.

فهذه العلاقة الثلاثية تتجسد في قوله تعالى: ” فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”، وفي الآية الكريمة “الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ”.  بل إن الدعاء بالأمن جاء مسبوقا حتى على التضرع والابتهال بالتنمية في قوله تعالى: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ”.

وأثر الدين على السلوك، فعلا وامتناعا، هي مسألة محسومة ويمكن قياسها عمليا، كما سيأتي تفصيل ذلك لاحقا. وقد أحكم وصف هذه العلاقة السببية المجلس العلمي الأعلى في الوثائق التحضيرية لهذه المناظرة بالقول “كلما تقوى وازع القرآن، تهذب السلوك وتحقق المطلوب، وقلّت تكلفة وازع السلطان، وكلما تراجع وازع القرآن ارتفعت تكاليف وازع السلطان”.

وينطلق المدخل الأساسي لهذه الدراسة من سؤال جوهري مؤداه:  هل يمكن لخطة تسديد التبليغ أن تحقق نتائج إيجابية ملموسة في مجال الوقاية من الجريمة وتحصين الناس ضد الجنوح والتطرف والإرهاب؟ وسنستعرض ذلك في أربعة مباحث على النحو الآتي:

المبحث الأول: الدين والأمن..مجالات التقاطع وأشكال التأثير.

إن الدين، بصريح الوثيقة الدستورية للمملكة، هو المؤطر للأمة في حياتها العامة، وهو أول ثابت بين الثوابت الجامعة للشعب المغربي.وتبوء الدين لهذه المكانة الرفيعة في توجيه حياة الناس، ليست مسألة محصورة على المغرب، كما أنها ليست مرتبطة فقط بالدول التي تدين بالدين الإسلامي.

فمثلا، في فرنسا التي يقر نظامها الأساسي الأسمى بعلمانية الدولة، أظهرت دراسة قام بها منتدى الإسلام بفرنسا في سنة 2022، “أن نشاط ممثلي الشرطة (les référés de Police) في التواصل مع فئات الشباب والأطفال بالأحياء ذات الأغلبية المسلمة، قد مكن-في الحالات التي عرفت انخراطا جديا للأئمة والوعاظ -من تسجيل نتائج إيجابية على مستوى خفض معدلات الجنوح والجريمة“.

كما أن منظمة الأنتربول كانت سباقة للتأكيد على دور “القوى الروحية” للمجتمع في الوقاية من جنوح الأطفال، في مؤتمرها المنعقد باليابان عام 1967, إذ أكدت بأن “المهمة التي تقع على عاتق الشرطة هي مهمة رادعة، إلا أنه ينبغي عليها في مادة الجنوح أن تمارس مهمة مانعة، بالتنسيق مع الهيئات الاجتماعية ومؤسسات التربية ومع القوى الروحية”.

والعلاقة بين الدين والأمن، شكلت على امتداد قرن من الزمن موضوع الكثير من الدراسات السوسيولوجية والقانونية. وكانت نتائج هذه الدراسات متباينة بحسب السياقات الزمنية، وبحسب مستوى التدين والاعتقاد لدى الأشخاص.

ففي سنة 1897، خلص عالم الاجتماع “إيميل دوركهايم” إلى أن “الدين ينهض بدور مهم في مجال المحافظة على مطابقة المعايير والالتزام بالضوابط المجتمعية”.

لكن الدراسة البحثية التي قام بها في سنة 1969 كل من “ترافيس هيرشي”  من جامعة واشنطن، و”رودني ستارك” من جامعة بروكلي في كاليفورنيا، والتي تناولت “تأثيرات العوامل الدينية على الانحراف”، أظهرت بأن “مستوى تأثير التدين الشخصي على الانحراف يبقى ضعيفا، بل وتكاد تنعدم العلاقة بين ارتياد الكنائس وبين احترام القانون وجهاز الشرطة”.

وفي المقابل، لاحظ “بوركيت” و “وايث” في سنة 1974، بأن الدين يمكن أن يكون له تأثير رادع على بعض أنواع السلوكيات المنحرفة، خصوصًا الجرائم التي تكون “بدون ضحايا”، مثل استهلاك الكحول والتبغ. نفس النتيجة أكدتها الدراسة التي أنجزها  “لـــي إيليس” في سنة 1985، والتي أوضحت بأن معدلات الجريمة في صفوف الاشخاص الذين يواظبون على الممارسات الدينية بأمريكا تكون أقل مقارنة مع غير المتدينين.

ولم تزغ أوروبا عن هذا التوجه، حيث خلصت الدراسة التي أجراها “دينتون” و”هامر”   في سنة 2008 في موضوع “العلاقة بين التدين والجريمة”، إلى تأكيد أن البلدان التي تتميز بمشاركة دينية عالية، مثل أيرلندا وبولندا، كانت لديها معدلات جريمة أقل مقارنة ببلدان مثل السويد وفرنسا والنرويج، حيث مستوى التدين منخفض.

ويمكن القول، بأن كل هذه الدراسات مجتمعة أظهرت بأن التدين غالبا ما يكون له تأثير، ولو بنسب متفاوتة، على الجريمة والسلوك، خصوصا عندما يكون الالتزام الديني نشطًا ومنتظمًا.

  • السيد الوزير
  • أصحاب الفضيلة والسعادة؛

يتناول المبحث الثاني من هذه الدراسة مؤشرات الجريمة في شهر رمضان الفضيل، والجرائم المرتكبة داخل أماكن العبادة، أو في محيطها، لنتحقق مما إذا كان الدين ينعكس إيجابا على الرسم البياني للجريمة، أم أن العلاقة بين الدين والأمن تبقى محدودة؟

وللتذكير، فقد صادف شهر رمضان المنصرم الفترة الممتدة ما بين 12 مارس و9 أبريل 2024. وقد سجلت مصالح الأمن الوطني خلال هذا الشهر 46 ألف و434 قضية زجرية، وهو معدل شهري منخفض مقارنة مع باقي فترات السنة.

وبلغة الأرقام، توضح المقارنة المنجزة بين شهر رمضان وشهر فبراير من سنة 2024، وهو الشهر الذي سبقه، بأن عدد القضايا تراجع بأكثر من 28 بالمائة، وهمّ جميع الجرائم، بما فيها القتل العمد (ناقص 50 بالمائة)، والاغتصاب (ناقص 31 بالمائة)، والسرقات بالخطف والنشل (ناقص 37 بالمائة)، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ فقط في قضايا استهلاك الشيشة في حدود 37 بالمائة، والتسول الاعتيادي بزائد 5 بالمائة، واستهلاك وترويج المخدرات بنسبة مئوية ناهزت 17 بالمائة.

وإمعانا في التوضيح، تم إجراء مقارنة ثانية مع شهر ماي 2024، وأكدت بدورها بأن المظهر العام للجريمة كان أقل بكثير في شهر رمضان المبارك، في حدود ناقص 32 بالمائة. وقد همّ هذا الانخفاض جميع الجرائم المقرونة بالعنف، بحيث تم تسجيل ناقص 42 بالمائة في السرقات بالعنف، وناقص 44 بالمائة في جرائم القتل العمد، وناقص 38 بالمائة في جرائم الاغتصاب…الخ.

فالقراءة المتأنية لهذه المقارنات الإحصائية، تؤكد – بما لا يدع مجالا للشك- بأن شهر رمضان يعرف انخفاضا واضحا في مؤشرات الإجرام،  رغم أن المخيال الشعبي للمغاربة يتعامل بنوع من التهويل مع قضايا الجريمة في شهر رمضان، تحت مسمى “الترمضينة”. إلا أن ذلك يرجع بالأساس إلى طبيعتها الشاذة وغير المقبولة في هذا الشهر الكريم، وليس بسبب تفاقمها أو انتشارها، كما قد يعتقد البعض.

لكن السؤال الذي يسترعي انتباه المتتبع العادي هو: ما هي أسباب تراجع الجريمة خلال شهر رمضان؟ وهل لهذا التراجع علاقة بمظاهر التدين؟ أم يمكن تفسير ذلك بعوامل أخرى؟.

مبدئيا، قد يفسر البعض تراجع الجريمة خلال الشهر الفضيل بمسألة وقف بيع المشروبات الكحولية. لكن هذا الدفع لا يمكن تعميمه على جميع الجرائم، ولا يمكن الأخذ به على إطلاقه، لأن المشروبات الكحولية، وإن كانت تعتبر عاملا حاسما في التسبب في الحوادث المرورية وفي ارتكاب بعض الاعتداءات الجسدية، إلا أنها لا تعتبر مسؤولة عن تغذية دوافع باقي الجرائم الأخرى.

ويمكن إرجاع هذا الانخفاض لعاملين اثنين: أحدهما نظامي يرتبط ببروتوكولات الأمن التي تُفردها مصالح الشرطة لتأمين هذا الشهر الفضيل، والثاني روحاني له علاقة مباشرة بالعبادة والتدين. فانصراف الناس إلى العبادات، وتزايد مجالس الوعظ، ينعكس بشكل إيجابي على سلوكيات الأفراد تهذيبا وتقويما، وهو ما يتجسم واقعيا في ممارسات أقل عنفا وأكثر تسامحا.

أما بخصوص الشق الثاني من هذا المبحث، المرتبط بالجرائم المرتكبة داخل أماكن العبادات وفي محيطها، فقد عالجت مصالح الأمن الوطني 160 قضية خلال سنة 2024، تتوزع على الشكل التالي: ثلاث قضايا تتعلق بمؤسسات التعليم العتيق، وعشر قضايا في الأضرحة والزوايا، و144 قضية في محيط المساجد، وثلاث قضايا في أماكن عبادة النصارى (الكنائس)، مع انتفاء تسجيل أي قضية في أماكن عبادة اليهود.

وإذا كان لافتا انخفاض مؤشرات الجريمة في هذه الأماكن، إلا أن المعطى الأكثر أهمية هو أن أغلب القضايا المسجلة لا تخرج عن نطاق التسول أو العنف اللفظي والجسدي، مع انتفاء الجرائم الخطيرة التي تهدد الأمن (باستثناء حالات بعض المختلين عقليا الذين ارتكبوا أفعالا عرضية ضد المصلين).

ويعزى هذا التراجع إلى أن أماكن العبادات تكون محصنة أساسا بخطاب دعوي يهذب النفس ويقومها، وتنتفي فيها الدوافع المغذية للجنوح والانحراف. لكن هذا لا يعني انعدام الجريمة في الأماكن والمناسبات الدينية، بدليل توقيف مواطن مغربي يعتنق الديانة اليهودية متلبسا بجرائم خطيرة في عيد كيبور، وتزايد حالات الإدمان ليلا في شهر رمضان، والشعوذة خلال عاشوراء…الخ.

المبحث الثالث: دور العلماء في مواجهة التطرف والإرهاب.

لا يماري أحد في الدور الكبير الذي ينهض به العلماء في مكافحة التطرف، وتحصين الشباب ضد محاولات الاستقطاب والتجنيد التي تنهجها الجماعات الإرهابية من أجل توسيع بنياتها التنظيمية، ومضاعفة أتباعها “المنذورين للموت” الذين ينشطون في إطار ما يسمى “بالجبهات الجهادية”.

وهذا الجزم، نابع من أن الفكر الضال لا يواجه إلا بالفكر القويم، وأن تصحيح مظاهر الغلو والتعصب لا يكون إلا ببسط تعاليم الدين الصحيحة التي تحضّ على التسامح والاعتدال والوسطية.

بل إن الحاجة لمساهمة العلماء أصبحت ملحة وضرورية، بسبب المخاطر المستجدة التي تحدق بالمجتمع والأسرة المغربية. فقد رصدت مصالح الأمن تنامي “الاستقطاب الأسري”، وهو عندما يستغل الزوج أو الأب أو الشقيق الأكبر سلطته المعنوية لتجنيد واستقطاب محيطه الأسري، مثلما حدث في خلية الأشقاء الثلاثة بمنطقة حد السوالم، أو بالنسبة للخلية النسائية، أو ما يسمى بخلية  “الدولة الإسلامية في بلاد المغرب الإسلامي”.

كما أن هناك خطر تجنيد الأطفال القاصرين، مثلما حدث بحر هذا الأسبوع في خلية “طوليدو” التي تم تفكيكها من طرف السلطات الإسبانية بتعاون مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وحالة القاصر المغربي البالغ من العمر 14 سنة، والذي تم توقيفه خلال الأسبوع الماضي بعدما أبدى قابلية كبيرة لارتكاب أعمال إرهابية بمجرد تلقيه لتجنيد سيبراني بسيط.

وكأمثلة على مساهمة العلماء في مكافحة التطرف والاستقطاب، يكفي أن نستشهد بأن ورش إعادة هيكلة الحقل الديني، لاسيما ما تعلق منه بالركن المؤسسي المرتبط بتقنين أماكن العبادات، ومأسسة الفتوى، كان له دور كبير في تجفيف منابع الاستقطاب المباشر، مما دفع بالتنظيمات الإرهابية للبحث عن بدائل جديدة مثل التطرف السريع انطلاقا من الشبكات التواصلية.

فقبل سنة 2004، كانت التنظيمات الإرهابية تراهن على قاعات الصلاة غير المهيكلة، وعلى تجمعات “الدعوة”، كفضاء للاستقطاب وفق الأسلوب الكلاسيكي، أي متابعة الأشخاص المستهدفين، ممن تظهر عليهم ميولات متطرفة، ودعوتهم لجلسات التلقين والتأطير العقدي، والتدريب على “الأَمنيات”، وهي التدابير الاحترازية للتخلص من المتابعات الأمنية.

وكان الاستقطاب يمر عبر أربع مراحل، وهي مرحلة “التصفية”، وتتمثل في اختيار التابع الذي تظهر عليه علامات التطرف، ومرحلة “التربية” التي يتم فيها تلقين الشخص المستقطب المرتكزات النظرية للفكر المتطرف، ثم مرحلة “الإعداد”، وتشمل الإعداد المادي الذي يتحقق بتوفير العدة والعتاد، والإعداد النفسي الذي يتمثل في التأهيل الذهني لتقبل الأفكار “المتطرفة”. وأخيرا تأتي مرحلة “الجهاد”، أي الجاهزية للقيام بالاقتحام أو الغزوة.

لكن، ابتداءً من سنة 2004، سوف يتم تقويض هذا الاستقطاب المباشر بفضل التدابير الإصلاحية التي جاء بها ورش إعادة هيكلة الحقل الديني، مما دفع بالتنظيمات الإرهابية للبحث عن آليات جديدة للاستقطاب المعلوماتي. والذي تصدت له المصالح الأمنية، حيث تم توقيف أكثر من 600 متطرف من رواد المنصات التواصلية، ممن كانوا يخططون لتنفيذ عمليات إرهابية وفق أسلوب “الذئاب المنفردة”.

كما تبرز مساهمة العلماء كذلك ضمن برنامج مصالحة داخل السجون. فبالرغم من أن تفتيت بنية التطرف لدى أشخاص شاركوا في التخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية ليس بالأمر السهل، إلا أن هذا البرنامج راكم العديد من النجاحات الإصلاحية المهمة.

وقد شارك في هذا البرنامج حوالي 310 معتقلا في قضايا الإرهاب، من ضمنهم 177 معتقلا تم الإفراج عنهم بعدما استفادوا من العفو الملكي السامي، و39 معتقلا تم تخفيض عقوباتهم. كما برهن باقي المشاركين عن قابليتهم لتصحيح معتقداتهم المتطرفة، فمنهم من تقدم بطلبات لاستكمال الدراسة، ومنهم من انخرط في الأنشطة المنظمة داخل الفضاء السجني.

وحتى على المستوى الاجتماعي، فقد نجح العديد ممن استفادوا من برنامج مصالحة في إعادة الاندماج ضمن أوساطهم الاجتماعية والمهنية، فمنهم من أسّس مشاريع مدرة للعائد المالي، ومنهم من عاود استئناف نشاطه المهني أو الحرفي. ولكن تبقى النتيجة الأهم، هي انتفاء تسجيل حالات العود إلى الإرهاب في صفوف هؤلاء المعتقلين.

  • السيد الوزير
  • أصحاب الفضيلة والسعادة.

إن نجاح خطة تسديد التبليغ رهين بانفتاحها على جميع فئات المجتمع، بما فيها فئة التلاميذ والمعتقلين السابقين في قضايا الإرهاب.

وفي هذا الصدد، يمكن اقتراح إعداد حقيبة بيداغوجية لخطة تسديد التبليغ موجهة حصريا للناشئة التعليمية، على غرار الحقيبة البيداغوجية التي تستخدمها مصالح الأمن في حملاتها التحسيسية في الوسط المدرسي.

ويمكن إثراء هذه الحقيبة من طرف السادة العلماء، بالمواضيع التقويمية للسلوك، التي تتلاءم وخصوصية الشريحة المجتمعية المستهدفة، على أن يسهر على تقديمها السادة الوعاظ الشباب بلغات ولهجات متعددة وبسيطة في المبنى والمعنى.

وعلى صعيد آخر، تشكل مسألة إعادة إدماج المعتقلين السابقين في قضايا الإرهاب تحديا كبيرا، لأن عددهم يناهز 3067 معتقلا، من بينهم 168 مقاتلا سابقا في سوريا والعراق. وهؤلاء المعتقلين في حاجة إلى مبادرات تصحيحية داعمة، تسمح باحتوائهم وتشجيعهم على الانخراط الإيجابي في المجتمع، خاصة في ظل تسجيل حالات للعود إلى النشاط الإرهابي، مثلما حدث بالنسبة للمتورط الرئيسي في جريمة “إمليل” الإرهابية.

أيضا، يُثار إشكال آخر يتمثل في الجيل الجديد من المقاتلين المغاربة القاصرين، الذين يطلق عليهم “أشبال الخلافة”، وعددهم 382 قاصرا معتقلين حاليا بسوريا، والذين تم تكوينهم عسكريا والدفع بهم لتنفيذ عمليات إرهابية.

فالتعاطي مع هذه الفئة يتطلب أيضا مقاربة تصحيحية وفق الأسلوب الذي سار عليه برنامج مصالحة داخل السجون.  وهنا يمكن اقتراح انفتاح خطة تسديد التبليغ على هذه الفئة من المعتقلين السابقين في قضايا التطرف، وعلى النساء والأطفال العائدين من بؤر التوتر، لتصحيح مفاهيمهم الدينية المغلوطة، وتمليكهم مبادئ الإسلام السمحة التي ارتضاها المغاربة كمرتكز لحياتهم الطيبة.  

شكرا لكم على حسن الإصغاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x