2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]

أساطير طنجة، سلسلة يعدها الصحافي عبد الله الغول، تستكشف أغرب الحكايات الشعبية والأساطير التاريخية التي تدور في فلك مدينة طنجة… حلقاتها تجمع بين السرد الأسطوري والمعطيات التاريخية… تلتقون معها طيلة شهر رمضان في حلقات يومية مثيرة ومشوقة.
الحلقة 12 :
في أزقة طنجة العتيقة، حيث تختلط الحكايات بالأساطير، كان “جاك عبقادر” اسماً يعرفه الجميع، رجلٌ يتنقل كالعابر بين العوالم، تائهًا بين الماضي والحاضر. لم يكن مجرد متشرد أو مختل العقل، بل شخصية نسجت حولها الأحياء القديمة قصصاً لا تنتهي.
يحكي الدكتور حمزة المساري في مروياته “أحاديث من باب مرشان”، أنه حين كان يسأل أحدهم “جاك عبقادر” :“من أنت؟”، كان يجيب بفخر لا يخلو من الغرابة:
“الجاك عبقادر د البلاص د السلطان!”
وكأن هذا الانتساب إلى القصر الملكي القديم يمنحه هالة من العظمة، رغم أن واقعه كان مختلفًا تمامًا.
لم يكن للجاك بيت يؤويه، لكنه لم يكن وحيدًا؛ ففي ليالي الشتاء، كان ينام عند فرن الحوزي، مستأنسًا بحرارة النار وألفة الكلاب الضالة التي أحاطت به كأنه قديس من زمن آخر. أما في الصيف، فكان يفترش الأرض في “عرصة فرن المعلم احميدو”، متلحفًا بالسماء، متصالحًا مع قسوة الحياة.
يقال إن قصة تشرده بدأت بسبب امرأة، وعدها بالزواج فأخلف، أما هي فلم تخلف وقامت بضربه بـ”حجاب” فكانت نهايته معها بداية رحلة التيه. صار رجلًا يقتات من فتات الحياة، يعشق تدخين الكيف ولفّ سجائر “الجوان” بورق المجلات الأجنبية التي كان يلتقطها من بقالة “اليَدري”، وكثيرًا ما تجده يقلب صفحاتها مأخوذًا بصور النساء الجميلات، حتى إذا سقطت عينه على عارضة أزيان “بيكيني” يردد بنشوة عجيبة:
“يا سلام… يا سلام!”
لم يكن أحد يأخذه على محمل الجد، لكنه هو، رغم حالته، كان متشبثًا بهويته، باسمه الذي اخترعه لنفسه، وبانتسابه المزعوم لـ”البلاص د السلطان”. ويحكي المساري أن مرشحا للانتخابات سأله يوماً إن كان يملك بطاقة ناخب بعدما تبع قصعة “سفنج” نحو مقر المرشح. بينما لم يكن “الجاك عبقادر” يملك شيئًا، فكيف له أن يملك بطاقة الناخب؟
وفي يومٍ ما، اختفى الجاك عبقادر، كما يختفي الضباب عن المدينة عند شروق الشمس. لم يسأل عنه كثيرون، لكنه ظل يعيش في ذاكرة الأحياء القديمة، كحكاية تروى عند المساء، عن المجذوب الذي أراد أن يكون شيئًا أكثر من مجرد نكرة… فصار أسطورة.