2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]

أساطير طنجة، سلسلة يعدها الصحافي عبد الله الغول، تستكشف أغرب الحكايات الشعبية والأساطير التاريخية التي تدور في فلك مدينة طنجة… حلقاتها تجمع بين السرد الأسطوري والمعطيات التاريخية… تلتقون معها طيلة شهر رمضان في حلقات يومية مثيرة ومشوقة.
الحلقة 13 :
في ظهيرة صيفية قائظة، جلس العلوي اليزيد، الذي بات أهل الحي يسمونه “السي اليزيد المُعْزِزَة” أو المعجزة حيث أن أهل طنجة عادة ما ينطقون الجيم زايا في نطق العامية، (جلس) يتلذذ برشفات من كوب شاي أخضر ساخن بعد وجبة الغذاء. كان منزله في الطابق الثالث من بناية قديمة في الحي، وأصوات الحياة اليومية تتسلل عبر نوافذه المفتوحة، بينما هو مستغرق في هدوء لحظته. لم يكن يدري أن الأقدار كانت تحيك له حدثًا سيجعل اسمه على كل لسان، بل وأسطورة تُروى لجيل بعد جيل.
يروي الدكتور حمزة المساري في مروياته “أحاديث من باب مرشان”، أنه ودون سابق إنذار، هزّ دوي انفجار هائل أرجاء الحي. أسطوانة الغاز في مطبخ منزل السي اليزيد انفجرت فجأة، ليتحول المكان إلى كتلة من اللهب والركام، متطايرة جدرانه وأثاثه نحو الخارج كأن زلزالًا ضربه.
فتساقطت الشظايا، وتبعثرت الأواني، وهرع الجيران في هلع إلى الشارع، يصرخون بأسماء أقاربهم، يترقبون المأساة التي لا مفر منها لمن كان في الداخل.
لكن ما حدث بعدها، كان أشبه بلحظة خارج المنطق. وسط الدخان والغبار، خرج السي اليزيد من بين الأنقاض سالمًا، دون خدش، لا يحمل في يديه إلا كوب الشاي الأخضر، لا يزال ممتلئًا كما لو لم يُمس.
والأغرب من ذلك كله، أنه وجد نفسه جالسًا على أريكة أو “مْطَرْبَة” قديمة على قارعة الطريق، تمامًا كما كان يجلس في منزله قبل الانفجار بلحظات، وكأن القدر نقله برفق بعيدًا عن الخطر.
وقف الجيران في ذهول، يتبادلون النظرات غير مصدقين أعينهم. أهو حلم أم أن الرجل قد بُعث من بين الدمار؟ كيف لهيكل منزل أن يتحطم بالكامل، ولرجل كان في قلب العاصفة أن يخرج دون أن تخدش جبهته حتى رقاقة زجاج؟ صرخت امرأة مسنة: “سبحان الله! إنه المعجزة بعينها!” ومن يومها، لم يعد أحد في الحي يناديه إلا بـ”السي اليزيد المُعْزِزَة”، كأنه حظي بحماية ربانية لا تفسير لها.
أما اليزيد نفسه، فكان يبتسم بهدوء كلما سئل عن نجاته. يرفع كوب الشاي أمامهم قائلاً: “هوذا شاهدي!” ثم يأخذ رشفة متأنية، كأن لا شيء قد حدث. كانت تلك اللقطة وحدها كافية ليحملها الناس معهم في مروياتهم، فتتحول حكايته إلى واحدة من أغرب قصص المدينة، يتناقلها الشيوخ والشباب في مقاهي حي مرشان والمدينة القديمة، ولا ينقصها سوى أن تُدون في كتب العجائب.
وهكذا، ظل السي اليزيد يتجول في الحي، رجلًا عاديا بمعجزة غير عادية، يذكرهم بأن بعض الأقدار تُخط بحبر لا يُرى، وأنه أحيانًا، حينما تحل الكارثة، قد يحملنا الحظ أو العناية الإلهية لننزل بسلام… على “ مْطَرْبَة” قديمة، وشاي لا يزال ساخنًا.