لماذا وإلى أين ؟

زوايا الصحراء.. بيعات روحية وقانونية متجددة للسلاطين ترسخ سيادة المغرب على صحرائه (الأخيرة)

وضعت جريدة “آشكاين” الرقمية بين يدي قرائها الأعزاء سلسلة رمضانية جديدة  حول تاريخ الأقاليم الجنوبية للمملكة، من خلال سلسلة ثقافية تغوص في تاريخ الزوايا والرباطات والمساجد التاريخية العتيقة في الصحراء المغربية، عبر بوابة برنامجكم “زوايا من الصحراء”، الذي أعده وقدمه الصحافي أحمد الهيبة صمداني.

وحاولنا خلال هذه السلسلة الثقافية الرمضانية(29 حلقة الماضية) نفض الغبار عن تاريخ التصوف وتمظهراته في الزوايا والمساجد و”المَحاظر” وارتباطاتها القبلية وخصوصياتها في الصحراء المغربية، علاوة على أدوارها الدينية والتاريخية والاجتماعية بالمنطقة على مر التاريخ، عبر بثها للأمن الروحي في المنطقة، وفض المنازعات القبلية وتكوين الطلبة والمريدين، دون أن ننسى أدوارها في مكافحة المستعمر.

وسنتطرق في هذه الحلقة الأخيرة (30) إلى خلاصات في أدوار الزوايا بالصحراء المغربية  في ترسيخ الثوابت الدينية للمغرب، وما لعبته هذه الزوايا في تجديد بيعة أهل الصحراء للسلاطين ترسيخا لسيادة المغرب على صحرائه، من خلال استقراء للخلاصات من الحلقات السابقة.

ويرى الدكتور ياسين بن روان  الباحث في التراث الصحراوي المخطوط، أن “الناظر لتاريخ الزوايا بالصحراء المغربية، يجد أنه اتسم بالمساهمة في بناء الثوابت الدينية والوطنية للمملكة المغربية الشريفة، القائمة على الوسطية والاعتدال، والانفتاح على القيم الإنسانية المتوافقة مع الفطرة البشرية السليمة والتدين الصحيح، عقيدة، وفقهاً، وسلوكا، والدفاع عن حوزة الوطن وحدوده والوفاء بالبيعة الشرعية للعرش العلوي المجيد”.

وأبرز بن روان، في حديثه لـ”آشكاين”، أن “مهمة شيوخ الزوايا بالصحراء المغربية قد كانت تنصب على تربية الناس على مبادئ التدين المغربي الأصيل المبني على اختيارات مذهبية موفقة بنور الوحي، ومسددة بفهم العلماء الذين ورثوا أصالة المشيخة المغربية في العلم الشرعي  جيلاً عن جيلٍ، كابراً عن كابر في انسجام تام مع الخريطة الدينية للمملكة المغربية الشريفة، منذ أن عَرفت مقام إمارة المؤمنين في عهد الدولة الإدريسية إلى عهد الدولة العلوية الشريفة”.

الدكتور ياسين بن روان  الباحث في التراث الصحراوي المخطوط

وأكد المتحدث أن “شيوخ التصوف بالصحراء المغربية حرصوا في مناهجهم التربوية والتعليمية، على الجمع بين الحقيقة والشريعة، أما بالنسبة للحقيقة فتجلت في ثلاثة مرتكزات أساسية، نجد مرجعيتها في الكتاب والسنة، وهي التخلي، والتحلي، للوصول لتجلي.

“أما التخلي” يضيف الباحث “فنسقه عند مشايخ الزوايا بالصحراء المغربية يتجلى أساسا في ترك المعاصي والذنوب وكل ما حرمه الله، وتعويضه بالتحلي بما أمر الله به من قول وفعل حسن، والالتزام بفضائل الأعمال ومكارم الأخلاق، حتى يصل الإنسان لمرتبة التجلي وهي درجة الإحسان كما ورد في حديث جبريل عليه السلام”.

واسترسل أن “هذا العلم المبني على تزكية القلوب وتطهير النفوس وتهذيب الأرواح، إنما هو خلاصة علم الحقيقة الذي حرصت عليه الزوايا بالصحراء المغربية لتلقينه لأهل الزوايا، سيرا على نهج النموذج المغربي في التصوف الجامع بين العلم والعمل، والقول والفعل”.

وتابع أن ما تعلق بـ”علوم الشريعة الظاهرة، فقد اهتمت الزوايا بالصحراء المغربية على مدارسة ومذاكرة العقيدة الأشعرية الوسطية التي لا تكفر أحداً من أهل الملة، وفق نظام التدريس المحظري  المبني على التدرج ومراعاة أحوال المتعلمين والطلبة”.

كما تخصص هذه الزوايا بمختلف ألوانها، يؤكد بن روان “حصصاً في تعليم مبادئ المذهب المالكي أصولاً وفروعاً وقواعد، والتعريف بمصنفاته كالموطأ، والمدونة، والعتبية وغيرها من أمهات المذهب المالكي الذي اعتمده المغرب مذهبا رسميا في الفقه والفتوى والقضاء، فتجد طلبة الزوايا بالصحراء المغربية يحفظون متن ابن عاشر ” المرشد المعين”، ومتن الأخضري في العبادات، والرسالة لابن أبي زيد القيرواني، ويختمون بحفظ مختصر خليل بشروحه وحواشه”.

وبحسب الباحث فقد “نهلت الزوايا بالصحراء المغربية من مشرب التصوف السني الجنيدي الذي يركز على الجمع بين طهارة القلوب ونقاء السريرة وطهارة البدن والجسم، وبين القيام بالعبادات الظاهرة، الصلاة، الصيام وغيرها، وبين معالجة أحوال النفس وترقية القلوب بمحاربة أمراضها الباطنة الخفية، الحقد، الحسد، الكراهية، وما يقرب ذلك”.

“وعندما نرجع للأرشيف الوثائقي لهذه الزوايا بالصحراء المغربية”، يورد الباحث في المخطوط، خصوصا الوثائق المخطوطة، فإننا “سنجد تلك البيعات المكتوبة لسلاطين الدولة العلوية الشريفة حفاظاً على مقام إمارة المؤمنين الذي يسهر على حماية باقي الثوابت، وهي الثابت الناظم والخيط الجامع لثوابت الثلاثة”.

استدل بن روان على كلامه بكون “الزوايا قد دأبت في كل عام على تجديد فروض الطاعة والولاء لسدة العالية بالله، والوفاء للعرش العلوي المجيد، كما كانت سنة سلاطين الدولة العلوية الشريفة إرساء ظهائر التوقير والاحترام لتلك الزوايا”، وهو ما اعتبره الباحث “إشارة واضحة لتلك الروابط الروحية والدينية والقانونية التي تجمع أهل الصحراء المغربية بالعرش العلوي المجيد”.

ورأى الباحث أن فيما سبق “دلالات على السيادة المغربية على الصحراء من خلال الوفاء بمقتضيات البيعة الشرعية لأمراء المؤمنين، عن طريق الدعاء والنصرة والتأييد، والدفاع عن الثوابت الدينية والوطنية للمملكة المغربية الشريفة”.

وحسب نفس المتخصص في المخطوط، ياسين بن روان، فإن “الزوايا بالصحراء المغربية حافظت منذ تأسيسها إلى الآن، على الوفاء بثوابت الأمة المغربية، والمساهمة في التنمية والاجتماعية والثقافية العلمية للمملكة المغربية الشريفة، والالتزام بما في الظهائر العلوية الشريفة من توجيهات تربوية وإرشادات عملية لتطوير البنية التربوية والدينية والاجتماعية لزوايا الصحراء المغربية التي خرجت لنا طاقات علمية في كافة المجالات الحياتية”.

وخلص إلى ان ما ذكره “إشارة لكون الزوايا في المغرب عموما أحد مكونات النسيج الاجتماعي والديني بالمغرب، والذي يسهم بشكل كبير في ترسيخ مبادئ المواطنة الصالحة، ويساهم بشكل كبير في تنزيل مقتضيات الإصلاح، حتى نكون في ازدهار وتنمية شاملة تحت القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين محمد السادس”، وفق تعبيره.

زوايا الصحراء: خصوصيات تصوفية وتاريخ وأثر

زوايا الصحراء: الوجه الآخر للزوايا..مراكز علم وصلح وفن وكفاح ضد المستعمر

زوايا الصحراء.. أقدم منارة روحية في واد نون

زوايا الصحراء..قصر آسا: ظاهرة البناء بالحجر الغامق وجدل تحويل قبلة المساجد

زوايا الصحراء.. المسجد العتيق بكلميم: خلاف قبيلة مع السلطة على مكان إقامة صلاة الجمعة

زوايا الصحراء .. الزاوية العروسية: زاوية “شيخ الوقت” أذابت خلاف قبائل في عبدة وجنبتهم الاقتتال

زوايا الصحراء.. الزاوية السالمية: تصوف نقشبندي من الصحراء المغربية إلى موريتانيا  

زوايا الصحراء.. زاوية أهل الليلي: علم وصلاح وحماية المستجير وامتداد من الصويرة إلى شنقيط

زوايا الصحراء .. زاوية الشيخ الولي: وَجَاهَة ورصيد ثقافي وحشد لمقاومة المستعمر الأجنبي

زوايا الصحراء..زاوية أهل لبصير: سياحة صوفية  وتفجير حركة تحرير الصحراء من احتلال الإسبان

زوايا الصحراء.. زاوية الشيخ المامي: أمن روحي بين القبائل ونَظْمٌ للسلطان

زوايا الصحراء.. زاوية الشيخ السباعي: وساطة بين العرب والأمازيغ بالصحراء ومقاومة نابليون بمصر

زوايا الصحراء.. الزاوية اللمطية(1): صاحب “ميزان الماء” الذي جنب قبائل بواد نون الاقتتال

زوايا الصحراء ..الزاوية اللمطية (2): ظهائر توقير سلطانية ودار تجارية امتدت إلى السودان

زوايا الصحراء.. زاوية  صفية الباركية: علم وفقه وتخريج الطلاب من المغرب إلى موريتانيا

زوايا الصحراء.. الزاوية المعينية(1): نواة بناء السمارة وقاعدة لصد المستعمر الإسباني والفرنسي

زوايا الصحراء .. الزاوية المعينية (2): توحيد قبائل متناحرة ومبايعة السلطان

زوايا الصحراء .. الزاوية المعينية (3): خصوصيات تصوفية حولت الساقية الحمراء إلى مركز تجاري وسياسي

زوايا الصحراء.. مسجد تيغمرت العتيق: مطامر “ذكية” ضمنت الاستقلال والتموين لعقود  

زوايا الصحراء.. زاوية آسا.. إشعاع علمي استقطب طلابا أمازيغ وأفارقة من الصحراء وموريتانيا وتونس

زوايا الصحراء.. زاوية آسا(2): فقهاء قضاة شرّعوا أحكاما عرفية للمعاقبة على التهديد بالسلاح    

زوايا الصحراء..زاوية آسا(3): خوارق وكرامات مهدت لبناء مدرسة عسكرية بالصحراء

زوايا الصحراء.. زاوية آسا (4): حرب على الوثنيين وجهاد ضد المسيحيين

زوايا الصحراء.. زاوية آسا (5): غزو تونس ومعارك في سوس

زوايا الصحراء.. زاوية آسا(6): 366 وليا وامتداد روحي لإفريقيا حولت المنطقة لـ”قبلة ثانية بعد الحج”

زوايا الصحراء..الزاوية الركيبية: تربية وتحكيم قبلي وجهاد عسكري ضد البرتغاليين والإسبان

زوايا الصحراء..الزاوية الكنتية(1) وثائق بيعة للسلاطين وتمرد على المستعمر الفرنسي

زوايا الصحراء.. الزاوية الكنتية(2):  امتداد روحي رَبَطَ المغرب بعمقه الإفريقي

زوايا الصحراء.. مزار الركراكي: عالم أنتج أرجوزة عن الفلك حوله الوادنونيون إلى ولي

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x