2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]

اتخذ الجدل الدائر حول الكلفة المالية التي خصصتها الحكومة لدعم استيراد المواشي، منحى آخرا، في ظل صمت رسمي من طرف الحكومة، إذ راجت في الساعات القليلة الماضية وثيقة تضم لائحة بأسماء مستفيدين مفترضين من الدعم الحكومي المخصص لاستيراد الأضاحي، وسط تضارب الروايات حول صحتها.

وتحمل الوثيقة المتداولة ختم للمكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني، وتضم أربع صفحات تتضمن أسماء شركات بأسماء مختلفة، يفترض أنها “لمستوردي المواشي والأغنام المستفيدين من 1330 مليار سنتيم الإعفاءات الحكومية التي تحملتها الميزانية العامة للدولة، خلال الفترة الممتدة بين أواخر أكتوبر 2022 ونهاية دجنبر 2024”.

أوزين: وثيقة قريبة من الحقيقة
وتعليقا على هذه اللائحة “المسربة”، قال الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين: “إذا اعتبرنا الرقم 13 مليار درهم، المخصص للدعم أو رسوما جمركية، أو الضريبة على القيمة المضافة “tva”، فبغض النظر هل لائحة المستفيدين صحيحة أم لا، فإن الوثيقة ليست بعيدة عن الحقيقة”.

وعاد أوزين، في حديثه لـ”آشكاين”، ليرجح حسب قراءته، أن تكون هذه الوثيقة صحيحة بالنظر إلى المعطيات الرقمية المحصلة، مشيرا أن “دعم رؤوس الغنم لوحده بلغ 250,000,000 درهم، إذا اعتبرنا أن 500 درهم خصصت كدعم على كل رأس بما مجموعه 300 ألف رأس من الغنم المستورد”.
حموني: وجب التمييز بين الدعم والإعفاءات الجمركية
من جانبه قال رئيس فريق التقدم والاشتراكية، رشيد حموني، في حديثه لـ”آشكاين”، إنه “بغض النظر عن صحة هذه الوثائق وللتعاطي مع الأمر بموضوعية، يجب أن نميز بين أمرين، الدعم الموجه لعيد الأضحى والذي خصصت له الحكومة 500 درهم لكل رأس يتم استيرادها لغرض نحرها في العيد، وقد أنفقتها الحكومة عن كل رأس، والتي بلغت تكلفتها 237 مليون درهم مقابل ما تم استيراده فعليا بما مجموعه 423 ألف رأس”.

أما الشق الثاني يضيف حموني، يتعلق “بالإعفاءات الجمركية، وهي كسائر الإعفاءات، حيث أن الدولة تعفي عددا من الواردات، مثل الحبوب، كما هو الشأن للمدارس الخاصة المعفية من بعض الضرائب، وعندما نحسب مجموع الإعفاءات فسنحصل على مجموع ما كلفته هذه الإعفاءات، ولا علاقة لذلك بالنفقات”.
وافترض حموني أنه “لو أبقت الحكومة على الرسوم الجمركية المتعلق باستيراد المواشي، والتي تبلغ 200 بالمئة، فلن يجرؤ أحد عل استيرادها”، مشيرا إلى أن “لا أحد كان يستورد المواشي من الخارج إلى أن تم إقرار الإعفاء الضريبي”.
وأوضح أن “13 مليار درهم، بغض النظر عن 237 مليون درهم المخصصة لعيد الأضحى، يتم احتسابها، بحيث أن هناك من يستورد مثلا بألف درهم للرأس ويزيد هامش ربح كبير وكأن الرسوم الجمركية مازالت مفروضة عليه، رغم إعفاء الحكومة له، وهناك آخرون يجلبونها بألف درهم للرأس ويبيعونها بـ1050 درهم”.
عدد المستفيدين
بخصوص ما يروج عن عدد المستفيدين، أكد حموني أن “العدد لا يساوي 277، لأن 133 مستوردا استوردوا الأغنام، و144 للأبقار، وربما قد يكون نفس الأشخاص، ما يعني أنه قد يكون نفس الأشخاص الذين استوردوا الأغنام هم نفسهم استوردوا أيضا الأبقار”، مؤكدا أنهم “لا يعرفون العدد الإجمالي للشركات المستفيدة، وهل يصل 200 مستفيد أم يتجاوز 300، لكن الكشف عن أسماء الشركات بشكل رسمي هو من سيؤكد العدد الحقيقي للمستفيدين”.
ونبه إلى أن “الإشكال ليس في عدد المستوردين، بل في ما إن كان هؤلاء الأشخاص الذين استوردوا قد باعوه بثمن معقول للمجازر أم لا، لأنه في جميع الأحوال الدولة لم تخسر في شيء”، مشددا على أن “الدولة يمكنها أن تعرف، من خلال فواتير البيع والشراء، وما إن كان هؤلاء المستوردين قد زادوا على المواطنين هوامش ربح تتضمن الرسوم الجمركية التي أعفتهم الحكومة منها أم لا”.
صمت الحكومة
وأفاد المتحدث بأن “ما يمكن التأكيد عليه بشكل رسمي هو ما حصلوا عليه من وثائق لقانون المالي طالبوا بها كفريق التقدم والاشتراكية، وهي تتضمن فقط عدد المستفيدين في الأغنام والأبقار والقيمة المالية المخصصة للاستيراد”.
وخلص إلى أنه “رغم هذا الجدل والضجة الكبيرة التي رافقت الموضوع لم يتوصلوا بأي جواب من الحكومة عموما أو وزارة الفلاحة للرد على هذه التساؤلات، سوى بعض أعضاء الحكومة الذين خرجوا بتصريحات كنهم لا يعرفون عما يتحدون بالضبط”.
أرقام رسمية
وظهرت وثائق قانون المالية لسنة 2025، التي حصلت عليها جريدة “آشكاين”، الغلاف المالي المخصص للدعم المباشر عن استيراد الأبقار والأغنام، وكلفة الإعفاء من الرسوم الجمركية ومن الضريبة على القيمة المضافة.
وجاء في الوثيقة أنه “في إطار التخفيف من آثار الجفاف الذي عرفته بلادنا في المواسم الفلاحية الفارطة والتي تزامن مع أزمة جيوستراتيجية عالمية ترتب عنها اضطراب في سلاسل الإنتاج والتموين على مستوى العالم و ارتفاع في الاسعار العالمية للمواد الأولية والتي تأثر سلبا على القدرة الشرائية للمواطن تم وقف استيفاء رسم الاستيراد المطبق على الأبقار الأليفة خلال الفترة الممتدة بين 21 أكتوبر 2022 و 31 ديسمبر 2023. وقد تم تمديد هذا الاجراء الى غاية 31 دجنبر 2024 وذلك في حدود مائة ألف رأس”.

وأضافت الحكومة، في الوثيقة نفسها أنه “نظرا لاستمرار ارتفاع أسعار لحوم الأبقار ولضمان مواصلة تموين السوق المحلي من اللحوم الحمراء، وكذلك أخدا بعين الاعتبار الظروف المناخية، تبين أن حصة مائة ألف رأس السالفة الذكر ليست كافية لتغطية الطلب على هاته اللحوم، وعليه تم رفع هذه الحصة إلى 120.000 رأس”.
“وقد ترتب عن هذا الإجراء منذ تطبيقه وإلى غاية 22 أكتوبر 2024″، تورد الوثيقة “نقص في موارد رسم الاستيراد يقدر ب 7,3 مليار درهم”.
وزادت أنه “في نفس السياق وللحد من وقع ارتفاع الاسعار العالمية لبعض المنتجات الفلاحية على المستهلك المغربي تحملت الميزانية العامة للدولة الضريبة على القيمة المضافة عند استيراد الأبقار الأليفة المستفيدة من وقف استيفاء الاستيراد منذ 03 فبراير 2023 وفي حدود مائة ألف رأس، وعلى غرار ما تم بالنسبة لرسم الاستيراد، فقد تم رفع الحصة المستفيدة من هذا الإجراء إلى 120.000 رأس، وقد ترتب عن هذا الإجراء منذ تطبيقه وإلى غاية 22 أكتوبر 2024 تحمل ميزانية الدولة لمجموع 744 ملايين درهم”.
أما بالنسبة للأغنام، يبرز المصدر ذاته “فقصد مواجهة الجفاف الحاد الذي عرفه المغرب مما ترتب عنه ارتفاع كبير في أسعار أعلاف الماشية ومن أجل إعادة تكوين القطيع المحلي، تحملت الميزانية العامة للدولة رسم الاستيراد والضريبة القيمة المضافة عند استيراد الأغنام الأليفة منذ فبراير 2023 ، وقد ترتب عن هذا الإجراء تطبيقه وإلى غاية 2024 تحمل ميزانية الدولة لما يعادل 5.031.5 مليون درهم منها 3.869,7 مليون درهم بالنسبة م الاستيراد و 1.161,9 مليون درهم بالنسبة للضريبة على القيمة المضافة”.

وشددت الحكومة على أنه “ابتداء من 19 أكتوبر 2024 وإلى غاية 31 دجنبر 2024 تم وقف استيفاء رسم الاستيراد المطبق على الأغنام الأليفة والذي ترتب عنه نقص في موارد رسم الاستيراد يقدر بـ15.7 ملايين درهم و تحمل الميزانية العامة للدولة ل 1,6 ملايين درهم برسم الضريبة على القيمة المضافة عند استيراد هذه الأغنام”.
كما أظهرت الجداول المرفقة في الوثيقة المذكورة، أن “العدد الاجمالي لرؤوس الأغنام التي تم استيرادها بمناسبة عيد الاضحى لسنة 2024 وصل فعليا إلى 474.312 رأس، كلها مستفيدة من الدعم المباشر الجزافي الذي حدد في 500 درهم للرأس مما يجل الغلاف المالي المخصص لهذه العملية يصل الى 237 مليون درهم”.
جدل متواصل
يأتي هذا، بعدما دخل الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد نبيل بنعبد الله، على خط الجدل الدائر بين حزبي التجمع الوطني للأحرار، في شخص، رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، وحزب الاستقلال، في شخص وزير التجهيز والماء والأمين العام للحزب، نزار بركة، بشأن الكلفة المالية التي خصصتها الحكومة لمستوردي الأغنام.
وجاء بنعبد الله بمعطيات قال إنها بناء على وثاق حكومية، وهي تكذب ما صرح به الطالبي العلمي أول أمس الجمعة، من معطيات في حوار صحفي احتضنته مؤسسة الفقيه التطواني أول أمس الجمعة، بأن الحكومة صرفت 300 مليون درهم فقط لدعم العملية التي كانت تهدف لمواجهة غلاء اللحوم الحمراء بالأسواق الوطنية، وليس 13 مليار سنتيم كما أعلن نزار بركة.
وقال بنعبد الله في منشور له على فيسبوك، إنه “كــــثُــــرَ الجدلُ، على مدى الأيام والأسابيع الماضية، حول القيمة المالية الحقيقية التي تكَبَدَتها الميزانيةُ العامة للدولة بسبب الإعفاءات التي منحتها الحكومةُ إلى مستوردي الأبقار والأغنام، وأيضاً حول العدد الحقيقي للمستوردين الذين استفادوا من هذه الامتيازات الضريبية، دون أن ينعكس ذلك إيجاباً على أسعار اللحوم والأضاحي في السوق الوطنية”.
وأوضح المتحدث أن “المبلغ الحقيقي الــــمُقدَّم لمستوردي الأغنام والأبقار حسب وثيقةٍ حكومية رسمية، تبين أنَّ الرقم الإجمالي الصحيح لحجم هذه الإعفاءات الضريبية ناهز 13.3 مليار درهماً، وأن العدد الإجمالي للمستوردين المستفيدين هو 277”.
وشدد بنعبد الله أن “كل من أراد أن يتأكد من هذه الأرقام أن يُراجِعَ الصفحتيْــــن 84 و196 من الوثيقة الحكومية الرسمية “المعطيات والبيانات الإضافية المطلوبة من طرف الفرق والمجموعة النيابية بمجلس النواب”، حيثُ كان فريق التقدم والاشتراكية قد طلبَ من الحكومة، في أكتوبر 2024، توضيحاتٍ بهذا الشأن بمناسبة مناقشة “مشروع قانون مالية 2025″”، وهي المعطيات المضمنة في الوثيقة أعلاه.
من يكذب على المغاربة؟
وأثار تعارض هذه الروايات حول الكلفة المالية لعملية دعم مستوردي الأغنام والأبقار من الخارج، وتضاد المعطيات التي قدمها مسؤولين من داخل الأغلبية الحكومية ومن المفترض أن تكون لديهم معطيات وأرقام حول القرارات التي تتحذها الحكومة، تساؤلات عدة حول مدى مصداقية خطاب هؤلاء المسؤولين، ومن يكذب على المغاربة بخصوص الكلفة المالية التي صرفتها الحكومة لدعم استيراد الأغنام والأبقار من الخارج؟