لماذا وإلى أين ؟

قصة قصيرة…يوم عصيب

أيقظت ابنها في الصباح الباكر، و أعدت له الفطور كعادتها – عادة لا طالما رجاها أن تتخلی عنها لأنها غير ضرورية- ثم قالت له : آسفة يا بني إن أيقظتك باكرا، لقد سبقت الموعد، لأنني استيقظت اليوم قلقة و قلبي منقبض، أفكر فيك و في مستقبلك، لا أعلم سبب القلق لكن حبذا لو لم تذهب للعمل اليوم.

بقي صامتا لحظة ثم رد : ما الخطب أماه ؟ اليوم عادي ككل الأيام لماذا تقلقين؟ و من جهة أخری أنا مجد في عملي، و لا يمكن أن أتغيب عنه، أنا أطمح إلی ترقية تطمئنك قليلا علی مستقبلي، فأكون كما تريدين لي أن أكون.
فردت عليه : قلب الأم لا يخطئ يا ولدي أتمنی لك الخير، لكن حقق رغبتي و ابق بجانبي، فالطريقة المباغتة التي فقدت بها والدك جعلت مني جبانة و أخشی أن أفجع فيك أنت الآخر، المرجو أن تتفهم ضعف الأم في حالات كهته.
قال : لا تخافي أمي، أكرر أنه لا متغير اليوم هو عادي ككل الأيام.

قالت : ليس عادي يا ولدي علی الأقل هذا ما أشعر به. أكرر رجائي أيضا أن لا تفارقني اليوم.

صمت قليلا من جديد ثم استرسل قائلا : أمي ما يجب أن يكون، سيكون و إن بقيت معك، فلن يتغير شيء، حاولي أن نجد حلا وسطا فيهنأ بالك أنت و لا أتغيب أنا عن عملي.

فردت : ولدي إحساسي ينذرني بمكروه أخشی عليك منه، و الطقس ممطر هته الأيام، علی الأقل لا تأخذ سيارتك، فأنت تعلم حالة طرقاتنا و سلوكيات سائقينا و ما يسببونه من انزلاقات و حوادث عند بداية كل موسم أمطار.

قال : لكن أمي أصدقائي يتنقلون معي، كيف سأقنعهم بتغيير البرنامج؟ علاوة علی أن الوسيلة الوحيدة لتجنب مشاكل الطرقات بالنسبة لمسافة كهته هي القطار، الذي تفزعني نسبة المنتقدين له للخليغ، و كذلك أمي فكم قدر محتوم نتحسسه، فنعمل علی تجنبه و إذا بنا نقوم بالأسباب لتسريعه، أنظري إلی قصة والد أوديب كيف حتم تحقيق رؤياه المفزعة و هو يحاول تجنبها! و سيدنا يعقوب ألا يمكن أن يكون قد أوحی لأبنائه بفكرة هو يخشاها؟ لما خاف أن يترك يوسف معهم فيأكله الذئب، ألا يمكن أن يكون قد أوحی لهم بأنها قصة ممكنة و أنها قابلة للتصديق؟
فقالت سأبدأ من حيث أنهيت إن إحساس الوالد في حالة يوسف كان سببا لشقاء لحظي تبعه ما كتب له من مجد، إحساس الأب كان صائب لكل من علم ختام القصة. علی أي كفانا فلسفة، فأن يكون علی رأس السكك الحديدية شخص اسمه الخليع هو محض صدفة، إنه إنسان عمل و اجتهد فنال منصبا جعل به نسبة القطار إليه مفزعة، لكن الرحلة في القطار أكثر أمان، فلا داعي نما لا يعقل أن يغامروا بأرواح المئات مجتمعة، ليست كالطرقات حيث قد يؤثر مزاج سائق غير منضبط علی غيره فيقتل معه أبرياء، و ليس كالجو أو البحر حيث يصعب التحكم في محيط الرحلة، أقر أن قصة أوديب تخبرنا عن القدر الذي لا يمكن تجنبه، خصوصا و أننا لا نعلم الغيب، كما لا ينبغي لنا ذلك، لكن فقط اعمل ما يريحني، فإن في إحساس الأم شيء من الغيب، و توكل و حاول تفادي كل ما يمكن تفاديه، رغم أنني لم أحبذ فكرة الخروج من المنزل، أما أصدقاؤك فسيتفهمون الأمر، كل الأبناء لهم أمهات و يقدرون إحساسها كما يقدرون الامتثال لأمره.

قرر الشاب أخيرا أن يراعي شعور أمه رغم أنه كان مطمئن البال، ثم اتصل بأصدقائه و أخبرهم بالبرنامج، فوافقوا دون مناقشة، بعدها أخذهم إلی محطة القطار و ركن السيارة بمكان قريب منها، هذا ما فعل رغم أنه لم يخش شيئا، فقط ليمتثل لأمر أمه. و عند وداعها طلبت منه أن لا يتأخر كي لا تقلق عليه، و دعت له بالتوفيق و قبلته، بعد مشاكسته في موضوع زواجه الذي تری أنه تأخر، فطمأنها أن الأمر صار قريبا و أنه سيأتي لها بأحفاد يزعجونها و تندم علی هذا الطلب. أوشكت الرحلة القصيرة علی بدايتها و لم يهدأ بال الأم، فكلمته مرات متعددة قبل بدايتها، عاود طمأنتها و كلمها بكلمات طيبة فهدأت، و ذهبت لقضاء بعض الأغراض في نشاط دون أن تشك في احتمال أن ابنها قد يخون ما عاهدها عليه فيأخذ سيارته، و بذلك إضافة إلی كلماتها الرزينة الطيبة الأخيرة غمرتها السكينة طول الوقت.

بعد ساعات طرقت الباب سيدة ناذرا ما تزورها قائلة لها بعد التحية النسائية المطولة في العادة : لقد خرج قطار عن السكة و أصيب بعض الركاب كما مات بعضهم الآخر، فجئت لأقول لك حمدا لله أن ابنك يتنقل بسيارته، مع أنني أعلم أنك تملكين قلبا كبيرا، يتسع لحب كل الأبناء و يتألم لكل آلامهم، و لكن هو وحيدك و لو حدث مكروه لفجعت فيه و متي كمدا… صدمت الأم و بقيت شاردة قليلا ثم حاولت الاتصال برقم ابنها لكن رقمه الشخصي غير مشغل، و ليس لديها رقمه العملي، هنا بدأت الأفكار تتضارب داخل رأسها، ربما صدم الهاتف في الحادث فأتلف، و لو أتلف الهاتف لا يعني أن إبني قد مات، هنا تذكرت أمرا أنساها إياه الفزع ؛ ابنها شخص جد منضبط في العمل، لا يشغل رقمه الخاص أثناءه، و غالبا ما يتصل بها في استراحة الغذاء كي يتأكد أنها لم تكن بحاجة لتتصل به في وقت العمل، و هنا تنفست الصعداء كما أنعش قلبها أن الرحلة لا تستغرق غير بعض الدقائق و أن ابنها خرج باكرا، أي قبل الحادث بأكثر من ساعتين، فصارت تتمنی أنه أخذ القطار بعيد خروجه من المنزل مباشرة، و تارة أخرى تتمنی أن يكون قد خان عهده لها فأخذ سيارته…مرددة ربي جنبني أن يأتيني أحدهم يواسيني و يبشرني أنهم سيتحملون تكاليف العزاء، ما فائدة التكاليف المادية إن خسرنا الأرواح؟ و ما غاية استمراري كأم وحيدة كل ما لديها في هذا العالم هو ذلك الابن، و إذا لم تكن هناك جدوی لحياتي فما حاجتي للماديات و الادخار، لماذا لا يصونون الحياة البشرية و يقدسونها؟ لماذا يقدسون الموت و يظهرون فقط معه كأنهم موظفين لدی عزرائيل؟ أعلم أن ابني سوف يتصل قريبا بإحساس الأمومة الذي لا يخطئ، لكن ذلك الإحساس الذي روعني في البداية، جعلني أشعر بالعروس التي تركها زوجها الحديث، و بالمخطوبة التي تركها خاطبها، و بالأيتام الذين سيخلفهم إهمال بسيط…

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x