2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
تَلَامِيذُنَا لَيْسُوا وَحْدَهُم مَن أَحْرَقُوا الْعَلَم الوَطَنِيَّ

محمد أمين لكواحي
دعونا نتوقف بعد أن هدأت الأنفس لنتأمل ما فعله صغارنا التلاميذ في الشارع، لنفهم أن العلم الوطني الذي أحرق والحناجر التي علا صوتها أمام البرلمان في العاصمة الرباط، وفي مدن مغربية أخرى كالبيضاء ومراكش وأسفي ومكناس وطنجة وانزكان أكادير… هي نتاج وزارتكم المصونة أولاً، والمفروض فيها التربية والتعليم، لأنه دوركم كجهاز وصي على تربية الناشئة وتعليمها وزرع قيم الوطن والمواطنة، وهو ما عجزت عنه مؤسسات الدولة المحترمة، التي تحاول أن تلصق تهمة احتجاجات التلاميذ إلى جهات غير معروفة، وهو تبرير غبي وساذج.
ثانيا، تلاميذنا، هم نتاج مؤسسة هي الأسرة، لأننا اخترنا نحن كٱباء، أن نتسمر في المقاهي لمتابعة مباريات ميسي وكريستيانو والتسكع مع الأصدقاء، وكأمهات أن تشغلنا حلقات مسلسل سامحيني وغيرها من مسلسلات MBC-bolyoud التافهة، لنمنحهم كل الوقت في التسكع في عالم افتراضي ينتج العنف ويحرض على الاستبعاد و الاستعباد، معتقدين أن الصعود والنزول في صفحات الفيسبوك وانستغرام وواتساب وتويتر، وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي، تنتج المعرفة وتمنكنهم من التواصل مع العالم.
نحن، بهذا السلوك من اللامبالاة والإقصاء غير القصود، نرمي بهم في جحيم اَلتَشَيُّؤِ objectification، أي أننا أصبحنا ننتج إنسانا خاويا وفارغا، وغير قادر على صنع استقلاليته انطلاقاً من واقعه المعاش، ويمكن أن نشرح بلغة شديدة البساطة بأن : التشيؤ هو عمليا انتقال الإنسان إلى شيء objet أي أن مجمل تفكيره وأحلامه متركزة حول الأشياء، والأشكال المادية للعالم بكل سطحية، أو بمعنى أكثر علمية، فهو التحول إلى أدوات، وهو تحول خطير بدأ مع الثورة الصناعية والحداثة، والثورة الرقمية والمعلوماتية المعاصرة.
فالأم مستعدة لتكمل حوارها العبثي والتافه مع جارتها، أو حتى لا تفوتها حلقة “رشيد شو”، لأنه يستضيف دنيا باطمة وهي تطيل في الحديث عن مشاداتها مع سلمى رشيد، أو لتقنع الجميع بأن جمالها رباني ووجهها لم يَطَأْهُ مِشْرَطُ دكتور التجميل التازي، أن تمنح طفلها هاتفها ليغرق في عنف اليوتيوب، وتتخلص من شغبه وصراخه.
والأب منهمك أمام شاشة اللابتوب لاستكمال عمله، أو متسمر أمام التلفاز لتتبع مافاته من أخبار الرياضة أو مسلسل تقطيع و تذويب جثة الصحفي السعودي خاشقجي، وَالتَّمَلِّي في صورة الرئيس التركي أردوغان السَّمِحَة، والحلم بعودة زمن الخلافة، وأنه هو مخلصنا من عذابات وقهر ملوكنا ورؤسائنا المنهزمين.
المسؤولية مشتركة، بين مؤسسة الأسرة ومؤسسة المدرسة، واللوم يقع علينا نحن كٱباء وكمسؤولين، فماذا وفرنا لهم غير قيم الإستهلاك والتملك وحب الذات، وقيم التشوبينغ والمولات، والقيم المنتجة للعنف، حتى نلومهم على الكلام البذيئ وغير اللائق وحرق علم الوطن، فهو رد فعل عفوي غير وَاعٍ، بل علينا أن نَتَلَقَّفَهَا كإشارة أوكناقوس خطر للعنف الذي ينمو خلف أسوار المدارس، كفرصة لمساءلة الجهات الوصية، عن الأموال والملايير التي أهدرت على برامج التربية والتكوين الفاشلة، والتي لا زال المسؤولون عنها خارج المحاسبة والمساءلة القانونية، وعن دور المجلس الأعلى للتربية والتكوين، الذي يتلقى أعضائه رواتب سمينة، قد تفتح عشرات المدارس ودور الشباب في القرى والمداشر.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.
إن الوطنية هي واجــــبـــــــــــ ( الاعــتــــراف بــــالـــجــــمــــيــــــل ) للـــخــــدمـــات التــي يتلقاها المواطن قبل ولادته وبعدها، من رعاية في صحته وقوته وأمنه، وهي خــــــــدمــــــــــات تطوق عنق المواطن بقوة الواجب الخلقي وهــــيبــــة الضـــــمــــــير الـــــجــــــمـــعــــــي . حيث يصبح هذا الأخير هو حامي الوطنية وضامنها .